الرأي

تاريخ الديمقراطية في تركيا وأكذوبة أتاتورك

فايد العليوي
هناك حجة شائعة تقول إن مصطفى كمال أتاتورك، بالرغم من علمانيته الفاشية ونزع تركيا من الحضن الإسلامي وإلباسها تقاليد وأعرافا غربية لا تعرفها من قبل، إلا أنه هو من أرسى قواعد اللعبة الديمقراطية في تركيا. ولو لا الزعيم الخالد أبو الأتراك لما استطاع رجب طيب إردوغان النهوض بتركيا من جديد بعد مئة عام من سقوط الإمبراطورية التركية. حقيقة هذا الاختزال ساذج وناجم عن قصور في قراءة تاريخ الإمبراطورية التركية التي حكمت العالم الإسلامي خمسة قرون. فالحركة الدستورية ومحاولات تقليص صلاحيات الحاكم الشمولي في العالم الإسلامي بدأت في أواخر عصر الخلافة العثمانية، وانتشرت باسم «المشروطية» وامتدت حتى أثرت على المجتمع الإيراني هناك وثار الإيرانيون ضد الملك القاجاري، وما تشهده الآن إيران من نظام جمهوري - وإن كان مهيمنا عليه من قبل الولي الفقيه - إلا أنه نظام راسخ وغير هش، ومتى ما سقط الولي الفقيه فإن الشعب الإيراني لديه مؤسسات وحياة نيابية وحركة دستورية قادرة على التماسك وإحداث ثورة مخملية تستطيع منع البلاد من الانزلاق نحو الفوضى. هذا التماسك والرسوخ ليس منة من الغرب أو من نظام الولي الفقيه، بل هو استحقاق تاريخي منبثق من حراك المشروطية، حاز عليه الشعب الإيراني قبل قرن من الزمان. والمهم في الموضوع أن المشروطية الإيرانية تأثرت بالحركة المشروطية التركية ومحاولات تقليص صلاحيات الحاكم الفرد مقابل توسيع صلاحيات الشعب والمشاركة في صنع القرار والتشريعات من قبل نواب الشعب. فأول حراك دستوري حقيقي حدث في العالم الإسلامي حدث في عهد السلطان محمود الثاني - الذي في عهده سقطت الدولة السعودية الأولى - هذا السلطان الذي يسمى «السلطان الكافر» من قبل النخب الدينية التركية، إذ حاول استيراد القيم والأعراف الغربية وألزم الموظفين بحلق اللحى ولبس الطربوش الأحمر، وأقر تشريعات وقوانين غربية في المجتمع التركي وأسس جريدة رسمية للدولة وأدخل مصلحة البرق وأسس شبكة طرق وسكة حديد وتحالف مع بعض القوى الداخلية لكبح جماح العسكر (الإنكشارية) الذين تغلغلوا في الحياة السياسية بعد ضعف الخلافة. فحدثت أول مصادمة بينه وبين العسكر وثارت ثائرتهم لما علموا بقراراته ضدهم. في تلك الفترة أقر أول دستور عثماني سنة 1808 بين السلطان والأعيان تحت إشراف الصدر الأعظم القائد علمدار مصطفى باشا، الذي تولى الإشراف على تقنين صلاحيات السلطان. هذا الدستور أسس قبل مجيء مصطفى كمال أتاتورك بمئة سنة! وعلى إثره تأسس البرلمان العثماني بشقيه: مجلس الأعيان ومجلس المبعوثان (النواب). هذه العملية عرفت باسم المشروطية الأولى، وتلاها فيما بعد عملية المشروطية الثانية في عهد السلطان عبدالحميد الثاني. وخلال تلك الفترة منذ أوائل القرن التاسع عشر إلى بداية القرن العشرين عاشت تركيا عهد تحولات فكرية وثقافية واجتماعية بعد ضعف الخلافة وتغلغل الدول الأوروبية في المشرق الإسلامي، وكان أهم مظاهر هذا التحول هو بروز النفس الثوري ضد السلطنة الفاسدة وضد طبقة رجال الدولة الفاسدين حتى جاء مصطفى كمال أتاتورك في نهاية المطاف وركب موجة ثورة دينية اجتماعية ضد السلطان، ثم ما لبث أن أقصى حلفاءه وأسس نظاما فرديا شموليا بالتزامن مع مجيء القائد العسكري رضا بهلوي (والد الملك محمد رضا بهلوي) في إيران الذي قضى على السلطنة القاجارية عام 1925 وأسس دولة إيران الحديثة ذات الملكية الدستورية. فهو مثل مصطفى كمال أتاتورك جاء بخلفية عسكرية وقضى وكتب شهادة وفاة السلطنة القاجارية في إيران. كانت تلك الفترة فترة استحقاقات تاريخية بمعنى الكلمة، ومن الجهل اختزال استحقاقات الشعوب التاريخية في شخوص وأفراد تحت تأثير فكري غارق في الأيدلوجيا. fayed.a@makkahnp.com