الرأي

الحج في زمن كورونا

حسن علي العمري
ستحفظ ذاكرة الأجيال ويحفظ تاريخ وطني الحديث قرارات قيادته المفصلية ومعها جهود كل من عمل بصدق وإخلاص دون كلل أو ملل خلال رحلة الأزمة الكورونية التي ضربت أطنابها على العالم أجمع، وسيشهد الجميع لكل قائم بواجبه الوظيفي أو متبرع ومحتسب في أي مجال، وكل ملتزم صادق بما يصدر من تعليمات من الجهات المعنية بالتعامل المباشر مع الحدث.

عندما استشعرت القيادة العليا لوطني حجم خطر هذا الوباء وسرعة انتقاله بمجرد دخول حالات محدودة لأي بلد، وفق دورة عمرية وبائية معينة يستمر فيها كأي فيروس آخر يوقع خلالها آلاف الضحايا حتى يأذن الله برحيله؛ اتخذت كثيرا من التدابير على مختلف المستويات، هادفة إلى حفظ النفس البشرية كهدف أسمى لا يعلوه هدف آخر، إلا أننا شاهدنا - في ظل استمرار انتشار هذا الداء - عدم التزام واستهتار متعمدين مع المجاهرة بهما من البعض، دون تمييز في ذلك بين المواطنين والوافدين فيما يتعلق بعدم استخدام الوسائل الوقائية كالكمامات ومسافات التباعد اللازمة، وما يلاحظه المهتمون في أماكن التجمعات كالأسواق وأماكن البيع وغيرها التي ساهمت باستمرار تصاعد حالات الإصابة بالفيروس حتى اليوم.

في هذه الأيام يقترب موسم الحج السنوي كأكبر مواسم التجمع تاريخيا، بالنظر لاجتماع الملايين على مساحة جغرافية محدودة لا تتجاوز كيلو مترات مربعة تحمل على ظهرها ملايين من البشر في فترة زمنية قصيرة تمتد لأيام معدودات، وفيهم كبير السن وصغيره والمريض والمعتل، مما يعني بكل بساطة أن تلك المواقع ستكون بيئة مثلى لانتشار الفيروس وتنشطه بشكل جنوني في تلك الأماكن المزدحمة والمكتظة، ليشكل بداية موجة ثانية أو ثالثة من دورة الانتشار الخطير له، والتي لا يمكن حينها احتواؤها،

وسنشاهد الأعداد الكبيرة من الحالات الحرجة والوفيات وما يثيره ذلك حتما من الهلع والذعر في أوساط المجتمعات، ليخرج المرض عن السيطرة ويأكل أخضر الجهود والإمكانات ويابسها، وقد يؤدي لا سمح الله لانهيار النظام الصحي بشكل كامل في المملكة بصفتها راعية الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة، والدول التي سيفد منها الحجاج.

كنت في بداية الأزمة أرجو الله أن لا يأتي موسم الحج إلا وقد رحل هذا الداء وزال أثره، إلا أن ما نشاهده يوميا بشكل تصاعدي من تكاثر وازدياد للحالات المصابة به رغم اختلاف بيئات حياة الناس العادية عنها في بيئة الحج يشي بخطورة أكبر وخطر أعمق وأشد أثرا.

حماية النفس البشرية هي غاية الشرائع السماوية والقوانين البشرية وعلى رأسها ديننا الحنيف وهدف وطني لا نقاش حوله كما أسلفت، ولمرورنا هذه الفترة بمرحلة عصيبة جدا وظروف قاهرة خرجت بكل مناحي الحياة من سيرها المعتاد إلى الاستثناء، وقد قال الله تعالى في محكم التنزيل (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) ومن القواعد الفقهية المقررة أنه (لا ضرر ولا ضرار)، وأداء الركن الخامس من أركان الإسلام مبني على الاستطاعة بكل أبعادها ومضامينها، ومن عدم الاستطاعة وجود العوائق المختلفة كظهور الحروب وتقطع السبل أو ظهور الأوبئة أو ارتفاع الأسعار وتفشي الغلاء أو قسوة الطقس وعدم تحمله، والتاريخ مليء بعشرات الحوادث والعبر.

لكل ما سبق أو بعضه فإن مقتضيات المصالح المرعية العليا للمجتمع الإسلامي وللدولة الحاضنة والقائمة على خدمة الحرمين الشريفين، وفقا لهذه النازلة الصحية الخطيرة والمميتة وظروفها الاستثنائية المستجدة؛ تستدعي اتخاذ القرار المناسب والمدروس الذي يستحضر المصالح والمفاسد ويوازن بينهما، وذلك بتعليق أداء مناسك الحج لهذا العام، لحاجة العباد والبلاد، ودرءا لتحول الدولة إلى منطقة وباء لهذا الداء على مستوى العالم، ولا سيما وقد بادرت بعض الدول من تلقاء نفسها بعدم السماح لمواطنيها بأداء الحج هذا العام حفاظا على سلامتهم.

DDD600_2011@hotmail.com