زمن البلادة والبرود
السبت / 13 / رمضان / 1437 هـ - 22:45 - السبت 18 يونيو 2016 22:45
لنعد إلى الزمن الجميل ونستذكر إحدى اللحظات التلفزيونية التاريخية التي كانت أيقونة الانتفاضة الفلسطينية الثانية في أواخر العام 2000 أي قبل أكثر من 15 عاما. تلتقط الكاميرا مشهد الطفل محمد جمال الدرة مع أبيه يختبئان خلف برميل اسمنتي فيما يرفع الأب يده طالبا التوقف عن إطلاق النار قبل أن يخر الطفل مقتولا برصاص الاحتلال الإسرائيلي.
هذا المشهد الذي لم يدم عدة ثوان التقطته الكاميرا لتقوم به قيامة الشعوب العربية، حيث حظي بانتشار واسع وتفاعل عاطفي كبير جدا مثل أغنية الحلم العربي وغيرها مما كتبه الفنانون والشعراء. شخصيا، ما زلت أذكر لحظة إذاعة المشهد في التلفزيون السعودي حيث الحزن والغضب تسيدا المشهد.
لكن هذا المشهد حصل في زمن مختلف تماما عن عالم اليوم. أسرع وصفة لارتفاع ضغط الدم وتهيجات القولون هي مشاهدة ردود الفعل البليدة على هذا النوع من المقاطع والمصائب في الانترنت. آلاف الصور والمقاطع المؤلمة المتداولة طوال السنين القليلة الماضية سواء محليا أو عالميا ولم تفعل فينا من شيء سوى تعويدنا على رؤية المقاطع المؤلمة ببرود شديد كجزء من الحياة اليومية. لقد تطبعت تلك الصور في أذهاننا، صور الأطفال والدماء والمباني المهدمة والجثث المقطعة -وما أستقبح ذكره- للدرجة التي لم تعد تصدمنا بشيء. لقد فقدنا إحساس الصدمة وتجمدت حواسنا وعواطفنا عن تقدير حجم التغير الذي طرأ علينا. الأفجع من ذلك هو تحويل كل هذا إلى مادة كوميدية، حيث تبث قناة عربية كبرى برنامجا فكاهيا -زعموا- يظهر توريط الضيوف وسط حريق ينشب في المكان الذي يستضافون فيه ليبدأ بعدها عملية الإخلاء ومن ثم فضح سر الكاميرا الخفية.
على الرغم من أن شيوع الشبكات الاجتماعية يعزز الروابط الاجتماعية الافتراضية إلا أنه كذلك يجعل الناس أكثر بلادة تجاه مشاهد الحرب والكوارث والجرائم والمصائب. يطول الحديث عن الأسباب وراء ذلك. لكنه ثبت وبتجارب عديدة يمتد عمرها لأكثر من ثلاثين عاما أن مشاهد العنف في شاشات التلفاز أو مواقع الأخبار والشبكات الاجتماعية تساهم في تثبيط أو قتل الانفعالات على المدى البعيد. التعرض المتكرر للمواد المثيرة للانفعالات من مقاطع وأخبار تجعل المشاهد أقل حساسية تجاه هذا المحتوى في تأثير يعرفه علماء النفس باللاحساسية أو البلادة الشعورية.
المسألة الأخرى المرتبطة بهذا الأمر هي في الشعور بالإجهاد جراء التعاطف المتكرر حيث تصبح المشاعر السلبية أمرا طبيعيا يمكن التعايش معه. فكثرة التعرض للأخبار والوسائط الإعلامية المختلفة تؤدي إلى التبلد العاطفي تجاه الأحداث المفجعة بما يجرف النقاش الافتراضي بعد أي حادثة مريعة إلى مسائل هامشية وجدالات عقيمة.
البلادة العاطفية بحد ذاتها مشكلة كبيرة ومقلقة دون أدنى شك، لكن المشكلة الأكثر فداحة منها هو في أولئك الذين يتسلقون فوق هذه الحوادث لتعزيز شهرتهم الإعلامية وحضورهم الالكتروني بأي شكل كان. هؤلاء خطر على الجميع لأنه لا يمكن تنظيمهم ولا إلزامهم بأي معايير أخلاقية للمحتوى الذي يمكن مشاركته. والنتيجة الطبيعية لهذا الأمر هي في بحث هؤلاء البلهاء عن «الأكشن» على حساب الآخرين والذي يجعل من معاناة الآخرين مصدرا لشهرتهم وصعودهم في طريق النجومية.
يفرض هذا الحديث معضلة صعبة: كيف يمكن الحديث عن الحروب والكوارث والحوادث المحلية والتي تتضمن من العنف ومشاهد الدمار والقتل وما إلى ذلك بصورة لا تعود بأثر نفسي سلبي؟ لا أملك الإجابات على هذا السؤال، لكن ما أعرفه هو أن زمن البكاء على مشهد الطفل الشهيد محمد الدرة قد ولى بلا رجعة، بعد أن تبعه مئات آلاف الشهداء السوريين.