الرأي

وتخصيص التعليم أيضا

مرزوق تنباك
التعليم أولوية لدى الناس جميعا وقضية لا يخلو بيت من أن يكون أحد أفراده مشغولا بها وبمهمومها، وفي كل بضع سنوات تكثر الأخبار وتدور الأحاديث والتصريحات عن رؤى واقتراحات وأفكار ومحاولات يعلنها المسؤولون عن التعليم، فينشط الكتاب يتحدثون عما نوى المسؤول وما سوف يعمل، وما قال وما يمكن أن يقول، ومن هذه القضايا والنوايا التعليم وإصلاح التعليم ومشاكله وما له وما عليه. ومن القديم الجديد الحديث في هذه الأيام عن تخصيص التعليم العام والتعليقات الكثيرة التي دارت حوله، وهي عادة عرفناها نحن المواطنين منذ فترة طويلة، كلما تولى مسؤول مقاليد عمل جديد، وتحدث عن نية من نواياه الطيبة التي يفكر فيها، انطلق الكتاب وراءه فيما قال، وفيما أراد وفيما زعم، وصدقوا ما يقول وأثنوا على ما يرى، وأكدوا نجاح فكرته وصواب رأيه قبل أن يفعل شيئا أو يقوم بشيء، ذلك ليس عيبا فينا ولا سذاجة في تفكيرنا ولا طاعة لمن يقترح علينا ويفكر بالنيابة عنا ويعلن لنا ما يريد أن يعمل قبل أن يثبت لنا أنه جاد في عمله وقادر على ما وعد به، لكن لأننا نريد أن نورط المسؤول وندفعه عسى أن يقدم على ما صرح به ويعمل ما وعد قبل التراجع عنه وتغيير الرأي فيه. أعود لمناسبة هذه المقدمة الطويلة نوعا ما، وهي التصريحات الأخيرة عن تخصيص التعليم العام، وهذا يعني أن التعليم سيعرض للقطاع الخاص أو يباع عليه. ولا اعتراض لنا على ذلك، لكن الذي أعرفه أن محاولة التخصيص ليست جديدة، فقبل بضع سنوات طرحت فكرة تخصيص التعليم العام ورصد لها تسعة مليارات بالتمام والكمال، وأسست شركة اسمها شركة تطوير التعليم، ودعي لها طاقم من شركة أرامكو السعودية، واستؤجر لها برج ضخم في مدينة الرياض لا زال شعارها يغطي واجهاته الأربع وقال المسؤول الأول عن هذه الشركة، والعهدة على الراوي إنه لن يرضى عن شركته التعليمية، حتى تكون ندا لشركة أرامكو السعودية. وبعد المليارات التسعة السابقة حظي التعليم بهبة كريمة من المقام السامي قدرها ثمانون مليارا أخرى، وهو مبلغ ضخم في كل المقاييس، وقد تناولت الصحافة هذه الهبة الكبيرة للتعليم، وعلق المعلقون على أن هذا آخر حل لمشكلات التعليم، وآخر عهد للشح في وزارتنا الكريمة، وأن الهبة لن تترك لأحد عذرا أو علة يعتل بها، فالمال عصب الحياة وحلال المشاكل، وقد حصل المال ولم يبق إلا العمل والتنفيذ ولا عذر لمعتذر، وبدأ المسؤولون في التعليم يحسبون ويقدرون كيف يعملون وكيف ينجزون في هذا المبلغ، وكيف سيكون الحال بعد سنوات معدودة وصرحوا كثيرا وقالوا أكثر، ولم يمض وقت طويل حتى نسيت شركة تطوير التعليم رغم ضخامة مكاتبها وعدد موظفيها ولم يعد أحد يذكرها، وسكت المتحدثون عن ما جاء بعدها من محاولات ومقترحات، ذهب وزراء، وجاء آخرون وبقي التعليم كما كان من قبل لا جديد فيه. وآخر الأحاديث هو ما صرح به وزير التعليم الجديد أحمد العيسى قبل أيام من أن النية تتجه لخصخصة التعليم مرة أخرى، والعيسى هو أول وزير سبقت رؤيته عن التعليم وقضاياه تعيينه لهذا المنصب، فقد كتب عن التعليم وهو بعيد عنه ونظر لما يجب أن يكون عليه، وألف وحاضر في المنتديات العامة والخاصة، ولهذا السبب كان لدى كثير من المتابعين أمل أن يكون الوزير العيسى أكثر الناس معرفة بمشكلات التعليم وحاجاته، وأن يبدأ عمله بالوزارة مطبقا رؤيته ونظريته التي نادى بها من قبل، وهي رؤية مختلفة عما هو موجود ومكرر، ولا زال الحكم مبكرا على ما قد يفعل، إلا أن الحديث عن تخصيص التعليم ليس هو الأولوية التي يجب أن يبدأ بها الوزير عمله الجديد. الأولوية هي إصلاح مؤسسات التعليم ومرافقة، وتأهيل كوادره، وانتشاله من الوهدة العميقة التي وصل إليها، وإعمال مبضع الجراح في جسمه المترهل؛ حتى يعود إلى قوامه الطبيعي ورشاقته المطلوبة، وتحديث مناهجه، ورفع كفاءة مخرجاته. هذه النقاط هي ما يجب أن يعمل عليها الوزير الجديد للتعليم، وليس محاولة ما ليس ممكنا في وقت غير مناسب.

marzooq.t@makkahnp.com