الرأي

الهياط الإعلامي

تفاعل

لم ينته فعل «المهايط» عند المبالغة في الكرم والبذل غير المنطقي، حتى تحولت العدوى إلى بعض المذيعين على المحطات التلفزيونية، وعلى إحدى قنواتنا يظهر مذيع شاب يناقش قضايا اجتماعية بوطنية مبالغ فيها، مساوما على محبة المجتمع لوطنه، مشككا في عطاء المواطن والوطن.

المذيع المهايط ، يحاول استفزاز الضيوف، ويخلق بين الضيف والقضية مشكلة يقحم في وسطها المسؤول. ويتحول البرنامج إلى جدل وسوء نية، وهنا تتشكل شخصية الأفراد أمام الكيان الواسع من المشاهدين.

بأسلوب المراوغة استضاف المذيع رجل أعمال تكفل ببناء جسر للمشاة على نفقته في أحد الشوارع العامة، وبالطبع لرجل الأعمال أن يجعل من ذلك البذل الاجتماعي مصدرا للاستثمار وهو حق مشروع إن قبل النظام. وبدأ الأمر من المذيع بالشكر وحسن الظن حتى استضاف المذيع أمين البلدية لكي يصرخ بالنظام أن الدولة لا تريد أن يقوم أحد بالصرف عليها، وهنا أشعل المذيع نقطة خلاف بين المسؤول ورجل الأعمال، وجعل من رجل الأعمال مختلسا يريد أن يستغل الوطن، ولم يهتم بأن التاجر هو اللبنة الأساسية لبناء الاقتصاد الوطني وتحفيزه يجعل منه أداة هامة في بناء المجتمع.

جميع المناهج الأكاديمية تتفق على أن للمذيع صفات يجب ألا يحيد عنها سواء كانت مفطورة فيه أو كان واجبا عليه التحلي بها، وهي: احترام الحديث وعدم المقاطعة، أن يكون حلقة جذب وفلت ولا يفرض رأيه على المشاهد أو الضيف، الأدب في اختيار المصطلحات، تحسين نبرة الصوت وعدم الخروج عن الذوق العام، إخفاء شخصيته السلوكية وليس الإعلامية، والعديد من الصفات التي يجب أن تنطبق على من يظهر في الشاشة أمام الملايين.

ولكن الأمر الآن اختلف وأصبح كل من له صديق أو قريب في تلك الإذاعة أو المحطة له الحق في أن يقف أمام المشاهدين ويتحدث بما يجول في خاطره، ويعبر عن رأيه وهي تجربته الأولى التي لا تخوله بأن يكون مركزا للاهتمام.

من يعرف قيمة التلفزيون قديما كوسيلة رسمية لا يظهر فيها إلا مادة مدروسة ومخطط لها ولها هيبة عظيمة سوف يبكي على حال التلفزة في عصر المتسلقين على أكتاف المشاهد المطنش لما يقولون، ويعتبرهم مجرد وقت للتسلية أو اقتناص هفواتهم وملاعبتهم الضيوف.

لذلك أصبح الجمهور لا يتابع التلفزة إلا الجاذب منها والتي يظهر فيها المذيع المعتدل المثقف المنطقي الهادئ الجذاب في حديثه والتقاطاته. أما المذيع المهايط فهو سبب اللوثة الإعلامية التي يهرب منها المشاهد.