الرأي

إيران وأمريكا وبينهما إسرائيل

مر الزمن سريعا ما بين إصدار المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي فتواه القاضية بتحريم إنتاج وتخزين واستخدام الأسلحة النووية، وبين تصريحاته اللاحقة التي يرفض فيها الانفتاح على الولايات المتحدة والحوار معها بشأن ملفات أخرى بخلاف الملف النووي.

الآن وبعد كل عقود التناطح ما بين دولتين تمتلكان رؤيتين مغايرتين للعالم، نراهما تجاهدان في الوصول إلى نقطة توافق استراتيجي. واقعيا فإن خطاب خامنئي لا يتجاوز محطة الاستهلاك المحلي وإرضاء المتشددين من الملالي، وما يدعم هذا الاتجاه هو خطاب آخر وجهه وزير النفط الإيراني بيجن زنجنه إلى شركات النفط الأمريكية مؤكدا بأن السوق الإيرانية مفتوحة أمامها دون أية عوائق.

إذن لم الحيرة وكل القراءات السياسية تسطع لإقناع المتابع العادي بأن اتجاه الرياح الأمريكية لن يرفض، بل لن يذهب بعيدا عن «وثيقة إيران وجيرانها» المدعومة بآراء خبراء وشخصيات أمريكية مؤثرة في صنع القرار الأمريكي.

سيكون هذا الزعم صحيحا إذا أخذنا في الاعتبار دور أمريكا وإيران وترقبهما الدائم لبعضهما في ظل التحولات على مستوى التحالفات والتوازنات الاستراتيجية التي كانت تمر بها المنطقة العربية خلال الحرب الباردة. فبعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991م وتحول القطبية الثنائية إلى القطبية الأحادية وانفراد الولايات المتحدة الأمريكية بالزعامة الدولية، تم طرح فكرة النظام الدولي الجديد ووضعت إيران سياستها وتوجهها الديبلوماسي بتكتيك يمكنها من الاستفادة من اتجاهات تلك الرياح السياسية. وكان الترتيب مبنيا على تسارع خطى إيران الاستباقية حتى تثبت لدول المنطقة وجودها الفاعل والحيوي ومقدرتها على لعب دور الحليف الاستراتيجي البديل لتحقيق مشروع الشرق الأوسط الكبير.

وبعد ثورات الربيع العربي راهنت إيران أيضا على تلك الأحداث، ففي أعقاب الثورة اتخذت إيران من دعم وكلائها الإقليميين وفي مقدمتهم حزب الله، حجة وجود ومراقبة للمنطقة. وكان كل أمل إيران هو عودتها إلى واجهة الأحداث بعد حصار الثورة للنظام السوري الحليف الرئيس لإيران في المنطقة العربية.

ليس هناك رابح على المدى القريب في هذه المواجهة بين هاتين القوتين الدوليتين، ولكن بالطبع الخسارة تقع على المنطقة العربية. وبالنظر إلى المواجهة التاريخية بين أمريكا وإيران وتنافسهما على كسب حلفاء في الشرق الأوسط، فقد أخذت إيران تقدم نفسها على أنها تتوفر لديها المعطيات الحضارية والجغرافية والدينية والثقافية التي تتوقع أن تربطها بالدول العربية وبشكل أكبر من أمريكا. وإذا كانت علاقة إيران تجاه الدول العربية خاصة دول الخليج هي علاقة مواجهة وعداء فإنها في الجانب العربي الأفريقي اتخذت من منطقة القرن الأفريقي موقعا مميزا يمثل بعدا اقتصاديا وثقافيا واستراتيجيا يثبتها شوكة على خاصرة الشرق الأوسط.

تمتد الصفقة بين إيران والولايات المتحدة إلى أكثر من تسوية لأزمة البرنامج النووي، وإنما تشمل وضع إيران في الشرق الأوسط ونفوذها الإقليمي وأحلامها التوسعية. فبإزالة النقاب عما يدور داخل المفاعلات النووية الإيرانية وضمان أمريكا لامتلاك إيران سلاحا نوويا لا يهدد الوجود الأمريكي في المنطقة ويرجح كفة القوة لصالح إيران، فإن إيران مستعدة لتقديم هذا التنازل في سبيل تحقيق أطماعها التي هيأتها لها الاضطرابات الحالية في المنطقة.

كانت حالة «العداء» والقطيعة الرسمية بين واشنطن وطهران فيما قبل تتغذى عليها كيانات طفيلية دمرت سلام الوطن العربي، والآن ستفعل الدولتان بأيديهما النظيفة ما كان يؤدى نيابة عنهما بعد أن تم خلق هذا التحالف والشراكة في المصالح.

ومن البديهي أنه لم يكن ليتحقق هذا السيناريو من التقارب الأمريكي الإيراني، إلا بعد أن قدمت إيران عربون محبة يتمثل في حديث مسؤولين إيرانيين عن مصير إسرائيل. وبذلك أصبحت إيران أقرب إلى إسرائيل منها إلى دول الخليج التي تهددها إيران بوتيرة أعلى من تلك التي كانت تهدد بها إسرائيل قبل سنوات قليلة.