البلد

من خطب الجمعة

من خطبة الجمعة بالمسجد الحرام (مكة)
سبيل الكرامة

«إن كل إنسان ساع في هذه الدنيا يبتغي كرامة نفسه، ورفعتها، وينأى بها عن مهاوي الذلة والضعة حتى اختلفت بالناس السبل طرائق قددا، كل يبتغي سبيلا إلى الكرامة، ويلتمس سببا إلى الحظوة والرفعة، فمن الناس من رأى الكرامة في قوة ومنعة، وكبرياء وأنفة، وسرعان ما يسلب الله هذه القوة والمنعة؛ فيحيلها ضعفا وهوانا، وذلة وخزيا وصغارا، والأيام شاهدة، والعبر ماثلة ومنهم من حسب الكرامة والعزة في وفرة المال وكثرة المتاع، وسعة الرزق، وممدود النعم، فصار بها مغرورا مختالا، وصار الناس في شأنه بين مفتون يطمع في مثل حاله، وموفق يرى بعين البصيرة دائرة السوء والصغار تحيط به، ويعلم بهداية الله له أنه قد مكر به.

ويبلغ الأمر ببعض من المنعمين أن يختال على ربه ويدل بنعمته عليه، يظن أن له عنده حقا أن يكرمه، وإن أبلغ الخطب أن يرى الإنسان المفتون بالنعم أن علامة إكرام الله له أن يغدق عليه من نعيم الدنيا، ويوسع عليه، وأن علامة إهانته له أن يقدر عليه رزقه. ومن الناس من يلتمس الكرامة في الجاه والمنزلة، وعلو الصيت، ونباهة الذكر، فيسلك لذلك مسالك مرذولة، ويعمل أعمالا ممقوتة، يتخذها قربانا لقلوب الناس، وثنائهم، واستحسانهم وإعجابهم، فليس يبالي لو اتبع سخط الله وكره رضوانه، ما دام مكانه في الناس منظورا، وذكره مسطورا، وشأنه مشهورا.

هذا السبيل من أضل سبل طلب الكرامة، ولن يلبث أن تنقلب حال صاحبه، ويرتد قصده عليه؛ جزاء وفاقا؛ فإن (من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤونة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس)، كما في الحديث الذي أخرجه الترمذي في سننه عن عائشة، رضي الله عنها. وكل تلك السبل حائدة عن حقيقة الكرامة، ناكبة عن شريف مكانها، وهي إلى سبيل المهانة والضعة أقرب، والله المستعان!

سبيل الكرامة الحقة، الذي يخطئه كثير من الناس، ولا يلقاه إلا الصفوة منهم، إنما هو في متابعة النفس لرضا الله، وبلوغها غاية الجهد في طاعته، وإن غاية الكرامة لفي لزوم الاستقامة، والجريان في مضمار الهداية، فلا كرامة لضال شقي وإن تمتع من زخرف الدنيا بما تمتع؛ فإن الدنيا زهرة ذاوية، والآخرة نعمة باقية، وحسنة دائمة، والعاقل لا يطلب الفاني بتضييع الباقي.

إن من علم ذلك اطمأنت نفسه، وسكنت روحه، فلا يبالي بفوات الدنيا بأسرها، ما دام عند ربه كريما، ولا يبالي أزاد في الناس ذكره أم نقص، ما دام عند ربه مذكورا، فهو على نور من ربه، يسير في ظل الكرامة في دنياه، ويرجو أن يبلغ غاية الكرامة في أخراه، فيدخل الجنة دار النعيم المقيم، ومستقر رحمة الرب الكريم، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا».

بندر بليلة - المسجد الحرام

تحية خاصة

«إن الله تعالى امتن على عباده بدين جمع المحاسن كلها، وتكرم عليهم بكتاب فيه النور والهدى، واختار لهم أفضل الخلق رسولا بهذا الدين.

إن من شعائر الإسلام وآدابه تحية السلام بذكر اسم الله تعالى السلام، وطلب السلامة منه مع العهد بالأمان ألا ينال المسلم عليه شر أو أذى من المسلم.

إن أول ما يسمعه أهل الجنة حين يدخلونها السلام الذي تلقيه عليهم الملائكة، قال تعالى (وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين).

إن ألفاظ السلام تتضمن معاني الطمأنينة والإكرام والنعيم، لذا أمر الله الملائكة أن تلقي على الجنة تحية السلام.

إن الله تعالى جعل تحية السلام خاصة بالمسلمين فيما بينهم، فعن عائشة، رضي الله عنها، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال (ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدوكم على السلام والتأمين). إن الابتداء بالسلام سنة مرغب فيها ورده واجب، والزيادة في الرد مندوبة، والمماثلة مفروضة، ومن أدب السلام أن يسلم الصغير على الكبير، والراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير، فإن ترك الأول السنة استحب للآخر فعلها، أن يبادره بها، ويشرع تكرار السلام عند الحاجة، كجمع كثير أو ظنه عدم السماع، قال أنس رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سلم سلم ثلاثا».

عبدالمحسن القاسم - المسجد النبوي