الرأي

بروتوكول المايكروفونات!

عبدالله الأعرج
لا يوجد بالنسبة لي أمر يجعل أي محفل مصدر ملل كذلك الذي يحدث في المحافل التي تعج بالكلمات الطويلة، ويتناوب فيها مجموعة أشخاص على المايكروفون، وكل منهم يعيد ما قاله سلفه، ويزيد حتى تضيق النفس ويذهب الأنس ويغدو الحفل محاضرات ودروسا وتمجيدا وبطولات مما تأباه النفس وتفر منه السعادة!

ولأن أغراض المحافل مختلفة ومتباينة، ولأن المقال مرتهن بالمقام، فإنه من الضروري أن يتناسب المنطوق مع السوق الذي يتلى فيه، وهذا يعني أن إلقاء كلمة تستطيل لمدة ربع ساعة في محفل تكريمي بين المغرب والعشاء ضرب من الإزعاج السمعي يذهب ببهاء التكريم، ويحيل الوقت القصير نفسيا إلى ساعات يستمع فيه كثير من الحاضرين إلى ما لا يودون الاستماع إليه!

وإن تعجب فعجب موقف أحدهم ذات مساء في مناسبة زواج وقد أوشك أن يقضم المايكروفون بأسنانه وهو يرعد ويزبد متحدثا عن قضايا تثير الحزن وتبعث الكآبة، ونصائح لا تليق بالمناسبة ولا تتماشى مع دواعي السرور والفرحة، حتى انفض الناس من حوله ولم يبق سوى من رأف بحاله أو خجل من المغادرة!

وثان يحدثك عن الحزن في مقام الفرح، وثالث ساخر في موقع حزن، ورابع يطيل الحديث حتى لا تكاد تربط أول حديثه بأوسطه فضلا عن أن تستطيع أن تقرنه بآخره، وخامس يخطب لمجرد الخطبة، وينتقل من موضوع إلى آخر دون رابط منطقي ولا أساس علمي، حتى يحيل المكان بحاضريه إلى محللي ألغاز ومفككي شيفرات وخبراء رموز!

وفي زماننا هذا الذي كثرت فيه المناسبات ما بين رسمية بحتة وشبه رسمية، بات من الضروري أن يكون هنالك توعية لغوية وبروتوكولية حول ما يقال وما لا يقال (say and don’t say)، إضافة إلى تحديد زمني لزمن الكلمات وكذلك طبيعة الخطاب ليتواءم مع الحدث، لتخرج أحاديث المناسبات بما يليق بها من الرصانة والرزانة وموافقة مقتضى الحال.

ولكي أكون أكثر تحديدا فإنه من المناسب مراعاة الأمور التالية عند الحديث في المناسبات:

1 - أن لا تكون الكلمات طويلة، لأن طول الحديث مدعاة للسآمة، مهما كانت الكلمات جميلة ومؤثرة.

2 - أن تتوافق الكلمات مع مقتضى الحال وتنتقي المفردات بحسب طبيعة المناسبة.

3 - ألا يدعى أكثر من شخصين لإلقاء كلماتهم في المكان نفسه وحول المناسبة نفسها لأن ضعف خطاب أحدهم سيذهب ببهاء سابقيه.

4 - أن يكون المتحدث بروتوكوليا في حديثه، سواء في إيماءاته أو نبرة صوته أو حركات جسده وتوزيع نظراته.

5 - ومن البروتوكول ألا تكون الكلمة جامدة، بل أن تدب فيها الحياة من خلال طرفة محترمة في بداية الحديث، أو مفردات أدبية تتناثر هنا وهناك، أو جمل تدعو للتأمل وتحفز فكر المستمعين.

هذا غيض من فيض في مقام الارتجال والحديث أمام العامة والخاصة، والذي جاء مروعا في أحد الإحصاءات، حيث ذكر كثير من الأمريكان أن الحديث أمام الناس public speech يعد بالنسبة لهم أمرا مرعبا أكثر من الامتحانات النهائية والمقابلات الشخصية، بل إنه يفوق الخوف من الألعاب الهوائية المعلقة والأماكن المغلقة لدى بعضهم، وهو الأمر الذي يدعونا لإرسال صورة مع التحية للمتسابقين على المايكروفونات ليأخذوا حذرهم وليعلموا أن حظوظ كلماتهم أمام المستمعين مرهونة بجودتها وجمالها، وأن المستمعين سيتناقلون تلك الكلمات بامتنان أو يسلقون المتكلم بألسنة حداد، والسلام.