البلد

من خطب الجمعة

من خطبة الجمعة بالمسجد الحرام (مكة)
لا يأس ولا قنوط

«من الصفات الحميدة، التي تبعث على الرضا والأمل، وتدخل الفرح والسرور على القلب، لما تشتمل عليه من حسن ظن بالله تعالى، وكمال توكل عليه، هي صفة التفاؤل، وتوقع الخير في المستقبل، مهما اشتدت الأزمات، وطالت ساعات الشدائد والكربات، فترى المتفائل، راضيا عن الله، مؤمنا بقضائه وقدره، يحسن الظن بتدبيره وحكمه، وأنه سبحانه سيجزيه على بلائه وصبره.

إن من ينظر في سيرة الأنبياء والمرسلين، يجد التفاؤل ظاهرا في سيرهم، بهداية قومهم، أو نصر ربهم، أو انكشاف كرباتهم وأحزانهم، فهذا نوح عليه السلام، لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، لم ييأس فيها من دعوتهم واستجابتهم، ويعقوب عليه السلام، بعد تطاول السنين والأعوام، ما زال يأمل في رؤية ابنه يوسف عليه السلام، وأما إمام المتفائلين، وسيد الأنبياء والمرسلين، فقد كان أجمل الناس صبرا، وأحسنهم تفاؤلا وأملا؛ فحين بعث بنور الإسلام، آذاه أقرب الناس إليه، وأخرجوه من أحب البلاد إليه، وكذبوه وحاربوه، ومع ذلك كان صلى الله عليه وسلم، واثقا بنصر ربه، متفائلا ببلوغ دينه، ما بلغ الليل والنهار.

إن التيمن والتفاؤل، وتأميل الـخيـر وصلاح الأمر؛ من حسن الظن بالله تعالى، والثـقة به جل وعلا، وهو دافع للعمل، بل ولإحسانه وإتقانه، فلذا غمر التفاؤل حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وربى عليه صحابته الكرام، ورسخ ذلك بقوله وفعله، فكان إذا سـمع اسـما حسنا، أو كلمة طيبة، أو مر بـمكان طيب، انشرح صدره، واستبشر بما هو عازم عليه، تفاؤلا وأملا، وحسن ظن بالله تعالى.

اليأس والقنوط والتشاؤم، صفات مقيتة، وسمات سيئة، تضعف الإيمان، وتغضب الرحمن، وتورث الحسرة والندامة، فمن أساء الظن بربه، ولم يتحر الخير في قوله، عوقب بسوء ظنه ولفظه، فإن البلاء غالبا موكل بالمنطق، واليأس والقنوط من كبائر الخطايا والذنوب».

ماهرالمعيقلي - المسجد الحرام

الطاعة فرحة وسرور

«الدنيا لا تستقر على حال، فهي متقلبة، بل تمر على الإنسان حالات من الضيق والحزن وأطوار من الهم والغم لأسباب متعددة وصور مختلفة، والمنجي الوحيد من الهم والغم هو الالتجاء الصادق إلى الله جل وعلا والتضرع إليه.

إن الطاعة فرحة وسرور، والتقوى لله جل وعلا بهجة وحبور، وإن لزوم الطاعة لله تعالى تجعل من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا، كما أن لزوم كتاب الله تعالى تلاوة وتدبرا استجابة وعملا هو المخرج من كل الخطوب، فمن ألزم نفسه بكلام ربه انجلى عنه كل حزن وانقشعت عنه الهموم والكروب.

إنه متى علت الهموم النفس وهجمت على القلب فالانكسار والتذلل بين يدي الله تعالى هو المنجى والملجأ. والتضرع لله تعالى القادر على كل شيء بصدق وإخلاص وحضور القلب فقد صح رسول الله صلى الله عليه وسلم الحث على هذا الدعاء وأنه لن يدعو به مسلم إلا استجاب الله له فهو من أدعية رفع الكرب وكشف البلاء فعن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب أو إذا حزبه أمر: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش الكريم، لا إله إلا الله رب السماوات والأرض، ورب العرش العظيم.

من أسباب الفرح واللذة والسرور والبهجة الوقوف بين الله بصلاة خاشعة لله في غير وقت نهي، وروى البخاري عن أم سلمة رضي الله عنها قالت (استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فقال سبحان الله ماذا أنزل الليلة من الفتن وماذا فتح من الخزائن أيقظوا صواحبات الحجر فرب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة).

وأشار إلى أن للإحسان بأنواعه من القول أو الفعل وخص الصدقة تأثيرا على دفع أنواع البلاء ورفع الضراء، وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: صنائع المعروف تقي مصارع السوء وصدقة السر تطفئ غضب الرب وصلة الرحم تزيد في العمر».

حسين آل الشيخ - المسجد النبوي