البلد

من خطب الجمعة

من خطبة الجمعة بالمسجد الحرام (مكة)
أعمال القلوب

«صلاح القلب يكون بالإيمان ومعرفة الحقائق، ومحاسن الأحوال، وصلاح الجسد بطاعته لله والإذعان له، وإذا فسد القلب بالشرك والكفر ومساوئ الأعمال القلبية من الكبر، والعجب، والرياء، والحسد، وأمثالها، فسد الجسد بالفسوق، والعصيان، وأظلم الخلق، والإفساد في الأرض.

القلب هو محل التلقي، وهو الرابط بين باطن الإنسان والظاهر من أعماله وسلوكه، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من قوله (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) فقالوا يا رسول الله أتخاف علينا وقد آمنا بك وبما جئت به، قال (إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله عز وجل يقلبها كيف يشاء) رواه أحمد في مسنده

للقلوب أعمال خاصة بما تظهر على تصرفات العبد ومشاعره وتقلب أحواله الحب، والفرح، والهم، والغم، والحزن، والغيظ، والحقد، والحسد، والكيد، والتربص، والغضب، والفهم، والوعي، والإدراك.

من أعظم أعمال القلوب وأهمها القصد والنية، وهي ما ينعقد عليه القلب ويعزم، وفي الحديث الصحيح (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) مخرج في الصحيحين. النية ركن ركين في العبادات، وتمييز العادات من العبادات، وتمييز العبادات بعضها عن بعض، بل تقلب العادات إلى عبادات، وفساد النية يفسد العبادات، وما الإخلاص إلا صدق النية وصفاء القلب.

من أعمال القلوب الثبات، الذي ينتج عنه الوقار والسكينة، فالثبات - إذا رزقه العبد - يحفظ صاحبه من القلق والاضطراب، ويجعله يدرك الواقع، ويعمل للمستقبل، وقد قال النبي صلى عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه لما بعثه إلى اليمن (إن الله مثبت قلبك، وهاد فؤادك) رواه أحمد وأبوداود والترمذي.

وثمة صفات للقلوب عظيمة تبرز مظاهر الإيمان وحقائقه، ويتجلى فيها حياة القلوب ونعيمها، واستقامة العبد، وصلاحه فمنها القلب السليم وهو الذي سلم صاحبه من الدغل والشك والشرك والشرور والضلال ظاهره كباطنه وسره تنطق به جوارحه جمع بين الإخلاص للمعبود وإسلام الوجه له بالإنابة واتبع شرع الله حنيفا مسلما».

صالح بن حميد - المسجد الحرام

الإخلاص لله

«المخلص يستجيب الله دعوته ولو بعد مماته وفي كل عام يظهر أثر دعوة الخليل عليه السلام فيستجيب المسلمون لدعوته يقصدون مع مشقة السفر واديا لا زرع فيه، ليظهروا افتقارهم إلى الله بوقوفهم في عرفات والمشاعر، وتذللهم للرب سبحانه بتجردهم من المخيط وحلق رؤوسهم خضوعا له.

إن الله سبحانه وعد بحفظ هذا الدين ومع تطاول الزمان وتقلب الأحوال وتنوع الحروب والفتن، والتقلب بين الفقر والرخاء إلا أن هذا الدين بقي ناصعا تاما مبينا كأن الوحي نزل اليوم فيلبسون ما لبس النبي صلى الله عليه وسلم من إزار ورداء، ويلبون بتلبيته، ويرمون كما رمى، ويطوفون بالبيت كما طاف.

الوفاء من شيم الرجال ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم صبر على الأذى والكروب لتنعم أمته بالهداية.

إن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين هجروا الأوطان وتغربوا في البلدان لحمل رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وتبليغها بعزم وأمانة، ونشر الإسلام في الآفاق بالدعوة والقدوة، وواجب على المسلم أداء حقوق النبي صلى الله عليه وسلم لما قدمه لهذا الدين بمحبته عليه الصلاة والسلام، والتأسي به، والوفاء لصحابته رضي الله عنهم بمحبتهم، والترضي عنهم، والذب عنهم.

إن الإخلاص لله في كل عمل شرط في قبوله والله غني عزيز لا يقبل عملا لم يرد به وجهه قال عليه الصلاة والسلام (إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا وابتغي به وجهه) رواه أبوداود.

من أدخل في عبادة الله رياء أو سمعة أو ابتغى مدح الناس له لم تقبل منه عبادته ولن يكون له منها سوى التعب والنصب مستشهدا بقوله عز وجل في الحديث القدسي (أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) رواه أحمد.

إنه ليس من شرط صحة الحج زيارة المدينة بل يقصد مسجدها سنة رغب فيها النبي صلى الله عليه وسلم للحاج وغيره بالصلاة فيه، فهو أحد المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليها».

عبدالمحسن القاسم - المسجد النبوي