الرأي

ماذا قدمت وزارة الإعلام للمؤسسات الصحفية؟!

شاكر أبوطالب
ليس هناك أوضح من الأزمة التي تواجه الصحافة المطبوعة في السعودية، فالانخفاض الحاد يتواصل منذ سنوات، وتحت مرأى ومسمع وزارة الإعلام، ويطال معدلات التوظيف وأرقام الطباعة والتوزيع وإيرادات الإعلان. هذه الأزمة ليست حكرا على صناعة الصحافة في المملكة، فصحافة العالم تعيش الأزمة نفسها مع التباين والاختلاف في مستويات الانخفاض.

وبعض أسباب التراجع الذي أصاب صناعة الصحافة يعود إلى تطورات هيكلية، مثل انخفاض عدد القراء، خاصة بين الأجيال الشابة، والتحول من استهلاك الأخبار المطبوعة إلى استهلاك الأخبار عبر الانترنت.

ويتميز سوق نشر الصحف في المملكة بعدد محدود من كبار ناشري الصحف، الأمر الذي مثل فيما مضى فرصة كبيرة للنمو لم تُستغل، بتحويل المؤسسات الصحفية إلى شركات إعلامية كبيرة الحجم ومتنوعة الاستثمار، ليس فقط في مجال الصحافة المطبوعة فحسب، بل حتى في المجالات الإعلامية الأخرى أيضا، سواء في الإذاعة أو التلفزيون أو الخدمات الإعلامية الأخرى.

إلى جانب الاستثمار بالشراء أو الاستحواذ في عديد من الخدمات الإخبارية الناجحة عبر الانترنت، وكذلك الاستثمار في صناعة المحتوى الإعلامي ومواقع الأسواق الالكترونية والإعلانات المبوبة والتسويق الرقمي، وبالتالي عدم الاعتماد على النشر المطبوع لتعويض أرباحها السنوية عن فقد إيرادات الإعلانات.

وحرص عدد من المؤسسات الصحفية في المملكة على القيام بمشاريع مبتكرة، بما في ذلك المنتجات والخدمات والشراكات الجديدة المعتمدة على المنصات الرقمية وخدمات الانترنت. لكن هذه المشاريع عادة ما تكون ذات تغيير بطيء وتدريجي، وبالتالي لا ينتظر منها تعويض الانخفاض الحاد في الإيرادات.

ولأن الصحافة لا تزال تؤدي وظيفة إعلامية وإخبارية مهمة للغاية في تحديد وترتيب أولويات الفرد والمجتمع، وربما لا يمكن لوسائل الإعلام الأخرى استبدال هذه الوظيفة بيسر وسهولة. ولأن الصحف المطبوعة في السعودية لا زالت مؤثرة، خاصة عند مقارنتها بوضع الصحف في دول الخليج أو العالم العربي، ينبغي على وزارة الإعلام القيام بمسؤوليتها تجاه قطاع الصحف المطبوعة في السعودية، والتكفير عن الأيام السالفة، والاهتمام بصناعة الصحافة الورقية التي تمر بمرحلة انتقالية مهمة، تتسم بتراجع نشاطها القديم، ومواجهة منافسة متنامية، وعدم ربحية توزيع محتواها عبر الانترنت والجوال، مع تجربة نماذج أعمال إعلامية جديدة مختلفة، وتحمل تكاليف مضاعفة للمحافظة على الصحف المطبوعة.

وعلى وزارة الإعلام أن تعلم جيدا أن قطاع الصحافة الورقية يدخل في دوامة من التراجع المبني على انخفاض الربحية، فإذا كانت الصحف المطبوعة تعاني من قلة الربحية، ستقلص إنفاقها على المحتوى والموظفين والتجهيزات والتسويق، وسيؤدي ذلك إلى منتجات صحفية أقل جودة، ينشأ عنها تراجع على صعيد عدد القراء، وبالتالي انخفاض الإيرادات الإعلانية، لتعود الصحف إلى الدوامة نفسها، وفرض مزيد من إجراءات التقشف وخفض الإنفاق، فتنخفض جودة المنتج الصحفي، ليزداد عزوف القراء والمعلنين، فتنخفض إيرادات الإعلان من جديد.

كل ما سبق، والواقع الراهن، يستوجبان تدخل الحكومة لإصلاح الخلل الذي تسببت به وزارة الإعلام، لأن إدارة كل مؤسسة صحفية تحتاج إلى إعادة النظر في استراتيجيتها، وإعادة التفكير في هويتها ونماذج أعمالها، وهيكلها التنظيمي ومنتجاتها وجمهورها المستهدف ودورها في المجتمع. وكذلك الاستثمار في مجالات البحث والتطوير والتقنية والابتكار، للمساعدة في التكيف مع انخفاض الدخل، وزيادة المنافسة.

shakerabutaleb@