البلد

من خطب الجمعة

من صلاة الجمعة بالمسجد الحرام (واس)
الشكر اعتراف بالنعم

«الشكر أمر مستقر في سلوك المتعبدين، ونهج راسخ في نفوس الصالحين، تمتلئ به قلوبهم، وتلهج به ألسنتهم، ويظهر على جوارحهم، وأول أنبياء الله نوح عليه السلام وصفه ربه بقوله تعالى (ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا)، والخليل إبراهيم صاحب الملة الحنيفية قال فيه ربه جل وعلا (شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم)، أما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهو الذي قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فيقوم لربه من الليل حتى تتفطر قدماه ويقول (أفلا أكون عبدا شكورا).

الشكر اعتراف من العبد بمنة الله عليه، وإقرار بنعمه عليه من خيري الدنيا والآخرة، في النفس والأهل والمال والأعمال، وفي شأن العبد كله الشكر دليل على أن العبد راض عن ربه، فهو حياة القلب وحيويته.

وإن للشكر أركانا ثلاثة، الاعتراف بالنعم باطنا مع محبة المنعم، والتحدث بها ظاهرا مع الثناء على الله، وصرفها في طاعة الله ومرضاته، واجتناب معاصيه، ورؤوس النعم ثلاثة أولها وأولاها نعمة الإسلام التي لا تتم نعمة على الحقيقة إلا بها، ونعمة العافية التي لا تستقيم الحياة إلا بها، ونعمة الرضا التي لا يطيب العيش إلا بها، وشكر الله واجب في جميع الأحوال، في الصحة والسقم، والشباب والهرم، والفقر والغني، والفراغ والشغل، والسراء والضراء، واليقظة والمنام، والسفر والإقامة، وفي حال الانفراد والاجتماع، قياما، وقعودا، وعلى جنوبكم.

الشكر يكون بالصلاة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل حتى تتفطر قدماه ويقول (أفلا أكون عبدا شكورا )، ويكون بالصيام فقد صام موسى عليه السلام يوم عاشوراء شكرا لله إذ نجاه وقومه من فرعون وقومه، ثم صامه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه وقال لليهود (نحن أحق بموسى منكم)، كما يكون الشكر بسجدة شكر يسجدها المؤمن إذا جاءه خير من ربه».

صالح بن حميد - المسجد الحرام

استشعار فضل الله

«التأمل في نعم الله تعالى يقود إلى استشعار فضل الله ونعمه، قال جل من قائل (فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا).

وفي الحديث عن أبي الأحوص عن أبيه قال أتيت رسول الله وأنا قشف الهيئة فقال (هل لك مال، قلت: نعم، قال (من أي المال) قلت من كل المال، قد آتاني الله من الإبل، والخيل، والرقيق، والغنم، قال (فإذا آتاك الله مالا فلير عليك).

حصول المنافع ودفع المضار بل كل خير يحوزه العبد هو إنعام من الله عليه، من علم وإيمان وعمل وذرية ومسكن ودابة وسعادة ونجاح، قال الله تعالى (وما بكم من نعمة فمن الله)، والتأمل فيما حولنا يقودنا إلى استشعار نعم الله، قال تعالى (فلينظر الإنسان إلى طعامه).

إن من مقتضيات تذكر نعم الله الاعتراف بها ونسبتها للمتفضل جل جلاله، وهو الله تعالى، المنعم بكل النعم التي نتقلب فيها، والاعتراف بنعم الله مفتاح كل خير، ويجعل لسان المسلم يلهج على مدار يومه وليلته بالحمد (الحمد للـه رب العالمين الرحمـن الرحيم مالك يوم الدين).

العاقل يحذر من استهلاك نعم الله دون أداء حق الله فيها بالعبادة والشكر، قال صلى الله عليه وسلم (إذا رأيت الله عز وجل يعطي العبد ما يحب وهو مقيم على معاصيه فإنما ذلك له منه استدراج).

المسلم قد يجعل عبادته مرتبطة بما يناله من نعم، فإن أعطي نعمة رضي وإن ارتفعت نقم وسخط وتلك صفة مذمومة».

عبدالبارئ الثبيتي - المسجد النبوي