الرأي

باب الحزن السخيف!

عبدالله المزهر
الحزن كائن جدير بالاحترام، لا أحب تسخيف أحزان أحد، فلكل حزنه الخاص والأشياء التي تعتقد أنها لا أهمية لها قد يراها غيرك نهاية العالم وبدايته.

لكن هذا لا يمنع أنه يوجد أحزان سخيفة، أو أحزان مبالغ فيها، فقليل من الحزن السخيف يحترم، لكن الإكثار منه يجعله شيئا آخر.

حين يبكي الطفل من أجل لعبة فإن التعاطف معه و«الطبطبة» عليه ومواساته لا تخرج حزنه من دائرة الأحزان السخيفة. هو حزن لا يحتقر لكنه ليس حقيقيا.

مشجعو كرة القدم أيضا أحزانهم تشبه أحزان الأطفال إلى حد ما، الاختلاف الوحيد ربما أن أحزان الأطفال أكثر منطقية وتلائم خبراتهم في الحياة. أما المشجعون فالأمر مختلف بعض الشيء. لديهم ـ في الغالب ـ خبراتهم في الحياة، وواجهوا صعوبات حقيقية، وتعرضوا لمواقف مؤلمة، لكن هذا لم يؤثر فيهم كما تفعل نتيجة مباراة أو تراجع مستوى الفريق الذي يتعاطفون معه.

الأسبوع الماضي شهد خروج فريقين من كأس الملك، وجماهير هذين الفريقين يعشقون الدراما التي تسبق والتي تلي المباريات أكثر من حبهم لكرة القدم نفسها، ولا أتحدث عنهم جميعا حتى لا أقع في فخ المبالغة، ولكني أتحدث عن نسبة 99% فقط. والظاهرة موجودة لدى جميع مشجعي كرة القدم في كوكب الأرض، لكنها أسلوب حياة لدى عشاق هذين الفريقين العريقين.

شاهدت بكاء وعويلا وحزنا حقيقيا، شاهدت أقصى ما يمكن أن يفعله المرء وهو حزين وغاضب، اللحظات التي تسبق كراهية الحياة، الحزن المليء بالحقد والرغبة في الانتقام من كل شيء، والحقيقة أني أتفكر قليلا في حال من يبكي بحرقة وألم بسبب نتيجة مباراة، كيف ستكون ردة فعله في مواجهة الأحزان التي تمسه شخصيا؟ هل سيبكي بذات الطريقة حين يفقد عزيزا أو قريبا، لأنه وصل الحد الأعلى للحزن بسبب كرة ركلها إنسان فاجتازت خطا مرسوما على معشب أخضر.

من الأشياء التي تستحق التفكر أيضا هو حضور الطلاب بكتبهم إلى مدرجات الملاعب في المباريات التي تقام في أوقات الاختبارات، أو تعليق لافتات تحمل عبارات مثل «بلا اختبارات بلا هم.. فريقي أهم»، وتغزل المعلقين بمثل هذا السلوك واعتباره عنوان الوفاء من هذا المدرج العاشق أو ذاك المدرج الوفي. مع أنه سلوك يتعلق بفوضى الأولويات وليس بالوفاء والعشق والولاء والانتماء، ويجب أن يكون محل ازدراء وليس محل إشادة.

وعلى أي حال..

كرة القدم من متع الحياة، ولكنها ليست الحياة، وهي بالنسبة للمشجع مجرد لعبة ممتعة، حتى وإن تحولت إلى صناعة ومصدر دخل وسوق كبرى، تبقى أنت وأنا مجرد مشجعين، نحب اللعبة، ونفرح بانتصارات فرقنا، ونمتعض قليلا في حال خسارتهم ـ كما يفعلون دائما، كرة القدم هي الأولى في سلم الأولويات للذين يتكسبون منها وتعد مصدر رزقهم، لكنها في حياتنا نحن المشجعين مجرد لعبة جميلة، نحن أولى بمشاعرنا الصادقة التي يجب أن نحتفظ بها لحياتنا الحقيقة، البكاء والألم والحسرة وحتى الفرح المبالغ فيه من أجل كرة القدم ـ الجميلة ـ ليست سوى تبذير للمشاعر وتبديد للعواطف وصرف لها في غير موضعها.

@agrni