البلد

خطب الجمعة

من صلاة الجمعة بالمسجد الحرام (واس)
نداءات الرحمن

«إن أجل صفات المؤمنين حقا، وأعظم سجايا المتقين المخلصين من عباد الله، التي امتازوا بها على من سواهم من الكافرين المكذبين بآيات الله عز وجل ورسله؛ ما آتاهم ربهم من حياة القلب، وسمو الروح، ورهافة الحس، ما يجعلهم حين يسمعون الله تعالى يناديهم في محكم كتابه بصفة الإيمان (يا أيها الذين آمنوا..) يقبلون على هذا النداء بآذان صاغية، وقلوب خاشعة، وعقول واعية؛ لأنهم يستيقنون أنه خير يؤمرون به، أو شر ينهون عنه.

إنه كان من نداءات الرحمن، لأهل الإيمان في القرآن، قوله عز اسمه: «يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون». وإنه لنداء ما أعظمه، وما أعظم ما جاء فيه من تقرير بين لمسؤولية كل امرئ عن نفسه، وعمن استرعاه الله من الأهل والولد والأقربين. وتلك المسؤولية الشخصية والعائلية، التي توجب عليه كمال الحرص على أن يجعل بينه -هو وهم- وبين النار وقاية تقيه وتقيهم عذابها يوم القيامة.

فكما أن كل إنسان ألزمه طائره في عنقه أي: ما عمل من خير وشر فيكون ملازما له، مجزيا به، محاسبا عليه، يجده يوم القيامة بين يديه، منشورا في كتابه أمام ناظريه، فهو أيضا مسؤول عمن ولاه أمره، وأسند إليه رعايته، من أهله وولده، فهي إذن مسؤولية جسيمة، وأمانة عظيمة، تقتضي من كل مؤمن بالله تعالى، موقن بلقائه، مصدق بجزائه وحسابه، وثوابه وعقابه، أن يعمل على وقاية نفسه ومن استرعاه من أهل وأبناء وبنات وأقارب؛ من كل ما يفضي به وبهم إلى دخول النار يوم القيامة، والاصطلاء بحرها، والتردي في عذابها.

إنها وقاية تتحقق بإلزام النفس والأهل والولد بالاستجابة لله وللرسول، بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي، متخذا لنفسه أقوى معين، وأجل واق يقيه من عذاب الله، بتوحيده سبحانه، وإفراده بالعبادة وحده، دعاء وصلاة، ونذرا وذبحا وحلفا، ومحبة وخوفا ورجاء، وتوكلا وإنابة وخضوعا، وإخباتا وخشوعا، بأدائها وأداء كل ما تعبده الله به خالصا له سبحانه، موافقا لما شرعه وأذن به، متابعا فيه رسوله صلى الله عليه وسلم، وباجتناب أعظم المعاصي، وأشدها، وأقبحها مآلا، وذلك هو الشرك به سبحانه، بصرف أي نوع من أنواع العبادة لغيره عز وجل، فإنه الذنب الذي لا يغفره الله لمن مات عليه».

أسامة خياط - المسجد الحرام

تأدية الحقوق

«إن من الأصول القطعية في الشريعة الإسلامية التأكيد على حقوق العباد محافظة وصيانة. وإن مما يتساهل به بعض الناس عدم أداء الحقوق لأهلها لا سيما الدين الذي يكون على الإنسان من ثمن مبيع اشتراه أو قرض استقرضه أو أجرة أجير استأجره ونحو ذلك، فالواجب على المسلم أن يحرص على سلامة ذمته وأداء ما عليه من حقوق لإخوانه لقول الله تعالى «ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل».

إن الفرض المتحتم على كل مسلم أن يؤدي حقوق الخلق كاملة غير مبخوسة، تامة غير منقوصة، ومن الإثم المبين والجرم العظيم التملص من أداء الديون أو التهرب من أهلها ومماطلتهم والتسويف بأداء حقوقهم، والواجب على المسلم أن يكون على عزيمة صادقة في أداء حقوق الخلق واستحضار نية طيبة في السداد والوفاء لقوله صلى الله عليه وسلم «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله»، موصيا صاحب الدين بأن يكون سمحا سهلا سخيا، ومن كان معسرا فالواجب إمهاله إلى ميسرة لقوله تعالى «وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة»، ومن فضائل الأعمال التجاوز عن المعسرين والعفو عن المعوزين، إذ قال صلى الله عليه وسلم «كان تاجر يداين الناس فإذا رأى معسرا قال لفتيانه تجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عنا فتجاوز الله عنه».

إن مما أوجبه الإسلام الوفاء بأجرة الأجير، لقول الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه» فيحرم بخس حقه أو التسويف في ذلك، وقال صلى الله عليه وسلم «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة وذكر منهم رجلا استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره».

حسين آل الشيخ - المسجد النبوي