البلد

من خطب الجمعة

سلامة دين المرء

«لقد أرشد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الحريص على كل خير لأمته، الرؤوف الرحيم بها، إلى أدب جامع وخصلة شريفة، وخلق كريم يحسن به إسلام المرء، ويبلغ به الغاية من رضوان الله، وذلك في قوله صلوات الله وسلامه عليه (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، هذا الحديث - كما قال الإمام ابن عبد البر رحمه الله - من الكلام الجامع للمعاني الكثيرة الجليلة في الألفاظ القليلة، وهو مما لم يقله أحد قبله - صلى الله عليه وسلم - لأن من حسن إسلامه ترك ما لا يعنيه من الأقوال والأعمال، إذ الإسلام يقتضي فعل الواجبات وترك المحرمات، وإذا حسن الإسلام استلزم ذلك ترك ما لا يعني من المحرمات والمشتبهات، والمكروهات وفضول المباحات، وهي القدر الزائد على الحاجة منها، فإن هذا كله لا يعني المسلم إذا كمل إسلامه، وبلغ درجة الإحسان الذي أوضح رسول الهدى - صلى الله عليه وسلم - حقيقته في حديث سؤال جبريل - عليه السلام - عن الإسلام والإيمان والإحسان فقال (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك).

إن من اشتغال المرء بما لا يعنيه تعلم ما لا يهم من العلوم وترك الأهم منها مما فيه صلاح قلبه، وتزكية نفسه، ونفع إخوانه، ورفع شأن وطنه ورقي أمته ومنه أيضا عدم حفظ اللسان عن لغو الكلام، وعن تتبع ما لا يهم ولا ينفع تتبعه من أخبار الناس وأحوالهم، وأموالهم ومقدار إنفاقهم وادخارهم، وإحصاء ذلك عليهم، والتنقيب عن أقوالهم وأعمالهم داخل دورهم وبين أهليهم وأولادهم بغير غرض شرعي سوى الكشف عما لا يعنيه من خاص شؤونهم وخفي أمورهم».

أسامة خياط - المسجد الحرام

أشرف الخصال

«في زمن ظهر فيه حب الدنيا بمختلف الصور والأشكال، يحتاج المسلم للتذكير بما يبعثه على محبة الآخرين، وبذل الخير والمعروف لهم وكف الشر والأذى عنهم، إنه خلق سلامة الصدر الذي يعيش به المسلم سعيدا مرضيا، إن سلامة الصدر من أنبل الخصال وأشرف الخصال التي يدرك بها المسلم عظيم الأجر وحسن المآب، قال تعالى «يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم».

من علامات سلامة القلب بعد الإيمان والتقوى والتوحيد واليقين أن يكون القلب نقيا من الغل والحسد والحقد على المسلمين، فالمسلم يعيش مع إخوانه بصفاء قلب وطيب نفس وحسن سريرة لا يحمل لهم ضغينة ولا كراهية ولا يضمر لهم حقدا ولا غشا ولا خداعا ولا ومكرا، بل يعيش بنفس تفيض بالخيرات والإحسان والخلق الجميل والصفاء والنقاء، فهو في نفسه راحة والناس منه في سلامه، لا يعرف الناس منه بلاء وشرا ولا يقاسمون منه شقاء وعناء، قال صلى الله عليه وسلم «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».

إن من النعيم المعجل في هذه الحياة وبه تكون لذة العيش أن يحرص المسلم على سلامة الصدر على كل من عاش معه أو خالطه، بل على كل أحد من المسلمين، قال تعالى في وصف أهل الجنة «ونزعنا ما في صدورهم من غل»، قال ابن عطيه رحمه الله عند هذه الآية: وذلك أن صاحب الغل متعذب به ولا عذاب في الجنة، وفي أبرز دعوات أهل الإيمان ما وصفهم به ربهم جل وعلا «والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم».

حسين آل الشيخ - المسجد النبوي