الرأي

علاقة القوة من المنظور التاريخي والمنظور التبادلي

حنان المرحبي
السياق التاريخي للمشكلة يعرض لنا الصورة في إطار من السياسات والنتائج التي ترتبت عليها، لنقوم باستنتاج علاقات سببية بينها نفترض أن الحلول تبدأ منها. ولكن السياق التاريخي يعيبه أنه مقطوع عن الحاضر وظروفه، لا يتعامل مع القوى المحيطة بالخارج، ولا يبني اتصالا مع المستقبل. باختصار، الاعتماد على السياق التاريخي وحده ربما يقدم فهما سببيا لا كيفيا، وهذا يجعل الحل في الغالب يبدو لامعا تنظيريا، ولكن غير صالح للتطبيق الواسع المستدام.

نأخذ على سبيل المثال وزارة العمل كمؤسسة لها تاريخ من الإصلاحات وأيضا أرشيف من النتائج التي ترتبت عليها، في سعيها لتحقيق التوازن بين العمالة الأجنبية (التي تغري أرباب العمل تكلفة ومهارة) والسعودية (المدعومة بسياسات السعودة). تاريخيا، أصدرت الوزارة منذ نشأتها العديد من القرارات لمعالجة البطالة التي أخذت تتنامى بتزايد السكان وتقلب أسعار البترول والأزمات السياسية بالدول المجاورة. واستجابة القطاع الخاص لهذه القرارات بشكل عام بدت بطيئة وتحركها سياسات الجزرة والعصا، رغم أن السياسة الوطنية عملت على تقليص فارق المهارة بين الأجنبي والسعودي بالابتعاث، وقننت الاستقدام للأفضل ورفعت تكلفته. وإن دققنا النظر لفهم أسباب بطء استجابة القطاع الخاص، ربما نصل إلى حقيقة أنه يتمتع بقوة ما تمكنه من مناهضة الإصلاحات التي يراها تتعارض مع مصالحه، وما هذه القوة؟

وفقا للسياق التاريخي، قد نصل إلى أنها متمثلة في نظام الكفالة الذي يعطي رب العمل سيطرة تامة على الأجنبي بخلاف السعودي المحمي من قبل الدولة، وبالتالي لا يمكن حل البطالة دون تقليص هذا النفوذ لدى رب العمل على الأجنبي كي تتعادل الجاذبية بين العمالتين.

ولكن، الصناعة ليست محصورة في قوى العمالة. فهل يكفي توجيه المسؤول إلى مشكلة جوهرية من منظور علاقات القوة داخل الشركة (Micro)، دون النظر إلى الصورة من منظور علاقات القوة بين القطاع الخاص وصانع القرار (Macro)، وكلاهما معني بمستقبل الصناعة والاقتصاد؟

القطاع الخاص يستطيع مناهضة كل إصلاح لا يحبذه، لأنه يملك قوى كبرى مهمة تتمثل في الموارد والمعرفة التي من خلالها يستطيع فرض الواقع الذي يجده أكثر ملاءمة له. سيستخدم هذا القطاع قوة الموارد والمعرفة لتعويض خسائره بتغيير المطالب، وتكوين التحالفات، والتحايل على السياسات، والدفاع، وإنشاء ثقافات ثانوية. إذن الحلول لكي تكون مؤثرة في سياقات متفاعلة كبيرة، يجب ألا تكون مايكروسكوبية رفيعة تتبعها ملاحقات تربوية (الجزرة والعصا)، ولكن يجب أن تبنى بفهم علاقة القوة من منظور أوسع، يضم القطاع الخاص والسياسة في أهداف كبرى، تقودهما إلى وجهة تنموية مشتركة.

الاستجابة من قبل القطاع الخاص، نظرا للموارد - القوة التي يملكها هي تبادلية (dual). العلاقة بين القطاع الخاص وصانع القرار هي تفاعل عنصرين: الموارد والقوانين، وفي الوقت نفسه محصلة هذا التفاعل ليست خطية، ولكن متبادلة ومعتمدة على بعضها، وبالتالي أي تغيير في السياسة سيولد ممارسات وأعرافا جديدة وموارد أخرى في القطاع الخاص، لأن أرباب العمل سيستعملون القوة ليعوضوا خسائرهم إن جاءت السياسة مغيبة لهم ولا تراعي التنافسية.

إذن، بخلاف المنظور التاريخي، المنظور التبادلي (duality of structure) لا يضع الأولوية في النظام (structure) ويغيب من وضع لأجله هذا النظام (agents)، وإنما يعطي كلا الطرفين الأهمية نفسها في حل المشكلة بافتراض وجود العلاقات تبادلية واعتمادية بينهما (interrelationships and interdependencies) أو تناكحية؛ تولد ظروف جديدة، وهذا المنظور أقرب للواقع ويعطي فهما كيفيا، وحلولا بقابلية تطبيق أوسع ومستدامة (تعاونية).

hanan_almarhabi@