البلد

خطب الجمعة

الأدب مع الله

«يستوجب الأدب مع الله تحقيق التوحيد وإخلاص العبادة له سبحانه، والمسارعة إلى مرضاته، وتمام الخضوع له، وحسن التوكل عليه، والحياء منه، والوقوف عند حدوده، والتأمل في آياته الكونية ومخلوقاته، وبديع خلقه ومصنوعاته.

إن من تمام الأدب مع الله سبحانه؛ الأدب مع نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم قال تعالى «يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون»، قال قتادة «كانوا يجهرون له بالكلام، ويرفعون أصواتهم، فوعظهم الله، ونهاهم عن ذلك»، وقال الضحاك «نهاهم الله أن ينادوه كما ينادي بعضهم بعضا وأمرهم أن يشرفوه ويعظموه، ويدعوه إذا دعوه باسم النبوة».

إذا كان الأدب عدم رفع الأصوات فوق صوته لأنه سبب لحبوط الأعمال فما الظن برفع الآراء ونتائج الأفكار على سنته وما جاء به، وقد قال تعالى «يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله»، وهذا باق إلى يوم القيامة ولم ينسخ، فالتقدم بين يدي سنته بعد وفاته كالتقدم بين يديه في حياته ولا فرق بينهما كما قال أهل العلم، قال الإمام ابن القيم «رأس الأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم؛ كمال التسليم له والانقياد لأمره، وتلقي خبره بالقبول والتصديق، وأن لا يتقدم بين يديه بأمر ولا نهي ولا إذن ولا تصرف حتى يأمر هو وينهى ويأذن»، فالتأدب معه واجب، وبعد وفاته وجب التأدب مع سنته وهديه.

من المؤسف حقا أن بعض أهل الإسلام لم يقدروا رسولهم - عليه الصلاة والسلام - حق قدره، حتى وهم يتوجهون إليه بالحب والتعظيم؛ ذلك أنه حب سلبي، لا صدى له في واقع الحياة، ولا أثر له في السلوك والامتثال، ومن عجب أن أقواما أفعمت جيوبهم بالنشب، ولكن أفرغت جنوبهم دون معالي الرتب وجليل الأرب، وروائع الأدب.

تمام الأدب إجلال ذي الشيبة واحترامه، ولا سيما الوالدان الكريمان، وتوقير أهل العلم وتعظيمهم، وحفظ مقاماتهم، وصيانة أعراضهم، والذب عنهم وحسن الظن بهم، وإجلال ولاة الأمر مع السمع لهم والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره في غير معصية الله، والالتفاف حولهم، وجمع القلوب عليهم، وعدم منازعتهم أو الخروج عليهم، ولكل أدبه الذي يليق به».

عبدالرحمن السديس - المسجد الحرام

تآلف القلوب

«الإسلام اعتنى بالعلاقات الاجتماعية ورتب عليها أجرا يحفز على المبادرة لتتآلف القلوب وتتوثق الروابط وتلبى الحاجات ويتطبع أفراد المجتمع بمكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال ويثقل الميزان وترفع الدرجات.

إذا أديت الحقوق وقويت العلاقات اشتد ساعد المجتمع وقوي عوده وتماسك بنيانه، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حق المسلم على المسلم ست قيل ما هن يا رسول الله: قال إذا لقيته فسلم عليه وإذا دعاك فأجبه وإذا استنصحك فانصح له وإذا عطس فحمد الله فشمته وإذا مرض فعده وإذا مات فاتبعه».

إن هذا الحديث العظيم يفتح آفاق التقارب والتوادد ويبث في الحياة الروح، قال تعالى «وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم»، مشيرا إلى أن أول حقوق المسلم كلمة المحبة والوئام تحية أهل السلام. السلام مفتاح المحبة إلى القلوب ومفتاح الاستئذان على كل باب يغذي الحياة بالبركة والنماء والزيادة والسلام رسالة أمان وعلامة أهل الإيمان، كما أن من حقوق المسلم على أخيه المسلم إجابة دعوته وحضور وليمته وتطييب خاطره ومشاركته فرحته، وتبادل الدعوات يحقق الألفة والاجتماع والتزاور والالتقاء، وحقوق المسلم على أخيه المسلم عيادته في مرضه ذلك أن المريض يكابد ويعاني وقد يطول به المرض فلا يغمض له جفن ولا يهدأ له بال يتضور ألما ويتقلب وجعا ويتطلع إلى دعوة يحقق الله بها شفاءه ويرفع درجته وزيارة تخفف آلامه وكلمة تؤنسه في أحزانه ولمسة حانية تشعره بقرب إخوانه».

عبدالباري الثبيتي - المسجد النبوي