البلد

كيف حاربت العدل لصوص الأراضي؟

أقرت آلية استباقية لرصد ودراسة صكوك المساحات الكبيرة وإحالة المخالف لمحاكم الاستئناف

يصادف القارئ من حين لآخر خبر حول قيام وزارة العدل بإلغاء صك لأرض معينة وإعادتها إلى أملاك الدولة باعتماد من وزير العدل الدكتور وليد الصمعاني، وقد يبدو له الأمر كإجراء روتيني تقوم به جهة حكومية، ولكنه في الواقع ينطوي على ما هو أكثر من ذلك، فالنبرة الهادئة لهذه الأخبار تخفي وراءها جبهة إحدى أكبر الحروب التي تشنها المملكة على الفساد المتمثل في سرقة المال العام.

ليست أرقاما فقط

علمت «مكة» أن وزارة العدل استعادت 750 مليون متر مربع حتى الربع الثاني من 2018، بقيمة سوقية قدرت بمليارات الريالات، إذ إن هذه الأرقام تتجاوز وظيفتها الإحصائية إلى فرض حقائق كلية وواقع جديد على الأرض.

بمعنى آخر، هي أخبار تصدر عن وزارة العدل ولكن من يعنيهم الأمر شريحة واسعة تبدأ من المواطن وتشمل المؤسسات المختلفة في القطاعات الخدمية والإدارية، فما تعنيه عودة أرض إلى عهدة الدولة بكل وضوح هو انضمامها إلى ركب التنمية وتحولها إلى منشأة محتملة لخدمة الناس ودعم الاقتصاد الوطني.

كيف حدثت المشكلة؟

بدأ الأمر باعتقاد البعض أن استغفال الأنظمة ضرب من الذكاء، وأن خطوات بسيطة قد تحقق لهم مصالح كبيرة دون أن ينتبه أحد، وكانت النتيجة حالات فساد متعددة الأوجه ومتنوعة الأدوات عملت تراكميا على مدى عقود، واستخدمت وسائل كالتزوير والاستعانة بموظفين سابقين في تحرير وتمرير صكوك لملكيات تتداخل أحيانا مع منشآت حكومية وخاصة، أو يتم إدراجها أحيانا على سجلات وهمية أو نسبها لصكوك غير ذات صلة.

مع الوقت، وبهذه الطريقة، تشكل إجمالي هذه المساحات الشاسعة من الأراضي المعتدى عليها بلا سند قانوني، من خلال وقائع كان أطرافها موظفين حكوميين وعقاريين وتجارا ظنوا أن مرور الزمن سيتكفل بإغلاق ملفاتهم ولكن ما حدث خلال السنوات التالية، هو العكس تماما.

كيف جاء الحل؟

الحقوق العامة لا تسقط بالتقادم، كما أن تعقيد القضايا لا يعني استعصاءها أو عدم التعامل معها، مبادئ طبقتها وزارة العدل وهي تقرر إعادة فتح الملفات الأكثر تعقيدا لحالات استخدمت مختلف أنماط التحايل على الأنظمة، وهو ما دفع الوزارة لتنفيذ مسح شامل على الصكوك وإنشاء لجان مختصة بفحصها وإخضاعها جميعا للتدقيق والمراجعة وفقا للمعايير الشرعية والنظامية المتبعة.

ولأن التصرف مع قضايا من هذا النوع يستلزم الخروج عن خانة رد الفعل إلى حيز المبادرة، أقرت الوزارة آلية استباقية لرصد ودراسة صكوك المساحات الكبيرة وإحالة المخالف منها لمحاكم الاستئناف، حيث يتم الإلغاء مقترنا بالملاحقة القضائية للمتسببين لاستعادة حق الدولة أو الأفراد المتضررين، وصولا إلى نشر الأخبار للقراء معززة بالأرقام والتفاصيل والأمل.

عنصر الحسم

هذه النجاحات جعلت وزارة العدل تكرس هذا التوجه بتعزيز أدوات تقنية وبشرية تمكنها من كشف أساليب الفساد، حيث تتم الآن متابعة الكترونية وميدانية على أعمال كتابات العدل؛ للتأكد من حسن أداء العمل بها، دون أن يغيب الحس القضائي المهني كعنصر حسم في هذه القضايا فضلا عن كونه السمة الأساسية في جينات عمل يقوم على التركيز والتحليل والمراجعة والحكم المبني على محددات ثابتة.

وتأكدت هذه الفكرة بشكل جلي في قرارات إلغاء صكوك الأراضي التي ظل الإعلان عنها يأتي مقرونا بمسوغات لا لبس فيها، بما يدل على عمليات متابعة ومراجعة دقيقة لملفات يعود بعضها إلى 40 عاما.

فتح الملفات مستمر

ربما تجدر الإشارة إلى أن بعض الحالات في ملف صكوك الأراضي قد بدأ العمل فيها بتوجيه من الوزير الدكتور وليد الصمعاني نفسه منطلقا من تجربته المهنية وخبرته الواسعة في القضاء ومعرفته ببواطن العمل القضائي التي لا تخفاها أساليب الاحتيال والتزوير من لصوص الأراضي، والحكم بأحكام زاجرة ورادعة على الفاسدين من موظفي الدولة الذين ثبت تواطؤهم معهم.

وتم التدقيق في ملفات سابقة بشكل لا يتعارض مع العمل اليومي والتطور المتسارع، وفضلا عن نجاحها في تحويل أخبار استعادة المال العام إلى أخبار ذات طابع بديهي للقارئ، فإن وزارة العدل تستمر في إثبات أن الملفات التي أغلقت على حق مسلوب لن تبقى مغلقة إلى الأبد.