البلد

من خطب الجمعة

النعم لا تدوم

«إن بالناس ولعا بالغا بأرزاقهم ومصادر عيشهم، ولعا يأخذ حيزا كبيرا من تفكيرهم حين يمسون وحين يصبحون، ولعا يورث المسترسلين معه ضربا من القلق والهلع، والشح والجشع، يجعلهم أمام الكسب والمعاش والرزق بين جاد وهازل، ومتوكل ومتواكل، ونهم وقنوع، ومفرط ومفرط، وقاعد ومكتسب، لا يستحضرون أن النعم لا تدوم، وأن صروف الحياة بين فتح وإغلاق، وسعة وضيق، وكدر وصفو، وحلو ومر، وأن دوام الحال من المحال (والله خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة).

إن الادخار بمفهومه الجلي الذي هو الجزء المستبقى من دخل المرء بعد حسم إنفاقه الاستهلاكي الخاص والعام، إن الادخار مبدأ عظيم وسلوك اقتصادي بالغ الأهمية لاستقرار الفرد والمجتمع معيشيا واقتصاديا، لأن تغيرات الحياة لا مناص منها، فتلك هي سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا، لذا كان الحذر والحيطة من الأسباب التي حضت عليها شريعتنا الغراء، لئلا يقع المرء في ضائقة تلجئه إلى السؤال والاستجداء المذمومين، أو ارتكاب كبائر محرمة كالسرقة والربا، أو الالتحاف بهم الليل وذل النهار الناتجين عن الدين الآسر.

إن الادخار يجمع عنصرين رئيسين هما القناعة الفكرية به، والسلوك الاستهلاكي للادخار، إن القناعة الفكرية تستقر في الذهن من خلال فهم النصوص الشرعية في أهمية الادخار ومشروعيته والحاجة إليه في الواقع الاقتصادي، فإن معيشة الإنسان مرتهنة بمدى إحسانه التوازن الإنفاقي له ولأهله، وأما السلوك الاستهلاكي فإنه قطب رحى نجاح الادخار متى ما استحضر المرء حسن التفريق بين ضرورياته وحاجياته وتحسيناته.

فالحذر من سوء الموازنة وعدم إحكام التوزيع المالي في الضرورات والحاجيات والتحسينيات، كونها سببا مباشرا بلا ريب في تراكم ديون الفرد الذي هو لبنة من لبنات المجتمع لا يطيق حملها؛ لذا فإن التنمية المالية الصحيحة لا تعترف بأي نتاج اقتصادي في معزل عن حسن توزيعه وحسن ادخاره، فكان المفهوم الادخاري أسا لا بد منه في تأمين الاحتياط النقدي والمعيشي، إذ به تكتمل الحيطة لما هو مخبأ في قابل المرء والمجتمع على حد سواء».

سعود الشريم - المسجد الحرام

العبودية لله

« (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين)، هذه الآية رسمت الهدف والوظيفة والغاية من الحياة، وهي أن مقصد المسلم وحياته ومماته لله رب العالمين، لله مالك يوم الدين الذي خلقنا ورزقنا ووهبنا الحياة، تلاوة هذه الآية والتذكير بها والتأمل فيها يحيي المفاهيم العظيمة ويجدد المعاني النفيسة التي يجب ألا تغيب عن الأذهان ولا تسقط في دائرة الغفلة والنسيان، وهي أن تكون صلاة العبد ونسكه وحياته ومماته لله، وأن يخضع في كل شؤونه لمن خلقه ورزقه وصرف أمره ودبره وأن يتوجه العبد في جميع أموره إلى إرادة وجه الله ولا يريد شيئا سواه، والذي يريد مرضاة الله لا يتكلم إلا لربه ولا يعمل إلا لربه ليله ونهاره صبحه ومساءه كله لله وحده لا شريك له.

الآية تذكر بتحقيق أشرف مقام، وهو العبودية في كل ما يأتي المسلم ويذر إيمانا بالله، إخلاصا له حبا لله شوقا له خوفا منه رجاء لفضله أكل الحلال، ترك الحرام، بر الوالدين، صلة الأرحام إحسان إلى الجيران، حسن خلق غض بصر حجاب ودعوة إلى الله، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، (قل إن صلاتي ونسكي) أساس ما يتقرب العبد إلى مولاه جل في علاه أصول العبادات وأمهاتها وأجلها أداء الفرائض التي كتبها الله وأوجبها على عباده ومن رام عظيم الثواب وجزيل الأجر عضد أداء الفرائض بالنوافل والسنن وبها ينال محبة الله فتسمو روحه وتصفو نفسه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه)».

عبدالباري الثبيتي - المسجد النبوي