البلد

من خطب الجمعة

الإخلاص.. حقيقة الدين

«حجاج بيت الله الحرام ها أنتم فرغتم من أعمال حجكم، وأديتم مناسككم، تقبل الله منا ومنكم، وجعل حجكم مقبولا، وذنبكم مغفورا، وسعيكم مشكورا، وأعادكم إلى بلادكم وأهليكم سالمين غانمين، وفي رعاية الله محفوظين، وأصلح بالكم، وأحسن منقلبكم ومثواكم ولعلكم وقد تقلبتم وتنقلتم في هذه العرصات المقدسة والمشاعر المعظمة، واجتهدتم في أعمالكم وعباداتكم، ترجون من ربكم المغفرة والقبول.

إن أهم ما يجب أن ينظر فيه المسلم ويتفكر فيه هو تحقيق التقوى، ولا يكون ذلك إلا بالنظر في أعمال القلوب التي هي الأصل وهي الغاية، وأعمال الجوارح تابعة لها، فأعمال القلوب من أعظم أصول الإيمان، وقواعده العظام من محبة الله، ومحبة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وإخلاص الدين لله، والتوكل عليه، والصبر على حكمه والخوف منه، والرجاء فيما عنده.

إن أهم أعمال القلوب ولبها ومدارها الإخلاص، وكان من تلبية نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم «اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة»، والإخلاص هو حقيقة الدين، وهو مضمون دعوة الرسل أجمعين والإخلاص مأخوذ من الخلوص، وهو الصفاء، ومأخوذ من التخلص، وهو التصفية والتنقية وحقيقة الإخلاص أن يكون سكون العبد وحركاته لله تعالى خاصة، خالصة، مخلصة.

إن من علامات الإخلاص، السر والكتمان فلا يحب المخلص أن يطلع الناس على مثاقيل الذر من عمله، كما أنه لا يبالي لو خرج كل قدر له من قلوب الناس وقد قالوا «المخلص لا رياء له، والصادق لا إعجاب له» وقالوا «لا يتم الإخلاص إلا بالصدق، والصدق لا يتم إلا بالإخلاص، ولا يتمان كلاهما إلا بالصبر»، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه «من خلصت نيته كفاه الله ما بينه وبين الناس».

صالح بن حميد - المسجد الحرام

آيبون تائبون

«يودع حجاج بيت الله الحرام هذه الأيام ولسان حالهم عائدون آيبون تائبون لربنا حامدون، يحدوهم الفرح إلى أوطانهم وبلدانهم وقد قضوا مناسكهم، وتخففوا من أثقالهم، ولعلهم يعودون لأوطانهم كيوم ولدتهم أمهاتهم، فيرجعون بغنيمة تستوجب الحمد والشكر، قد غفر الذنب، وستر العيب، وكفرت الخطايا، فالحمد لله على كماله وجلاله، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

إن لكل إقبال إدبارا، ولكل جمع تفرقا وأخبارا، فبعد ما رأينا الحجاج يأتون من كل فج عميق، وبلد سحيق، ليشهدوا منافع لهم، وتجمعت الوفود الكثيرة والجموع الغفيرة في المشاعر المقدسة، قد اختلفت لغاتهم وألوانهم وبلدانهم وأجناسهم وأعمارهم لكن الإسلام لم شملهم، ووحد قبلتهم ومناسكهم، محرمون بلباس واحد، ويلبون بنداء واحد، اجتمعوا في صعيد واحد، قد ألف الله بين قلوبهم.

أيها الحاج ما كان في ذمتك من فرض فاقضه، وما كان على وجه الأرض من خصم فأرضه، وما كان من حق فأده، وأقم فرائض الله وفيها فجاهد، والزم سنة رسول الله وعليها فعاهد، واطلب النجاة والخلاص، وجدد العهد مع الله بعزم ووفاء وإخلاص.

إن من علامات قبول الطاعة والاستقامة والثبات والعكوف عليها ومحاسبة النفس على التقصير والتفريط فيها، تلك صفات المؤمنين الخاشعين المخلصين.

الاستقامة هي حقيقة الاستسلام والثبات على الدين، والصدق والوفاء، ونجاة من الخوف، وأمان من الهلع والحزن، وبشارة عظمى، ومن الواجب على كل مسلم أن يحمد الله عز وجل على ما من به من أمن وأمان في هذه البلاد المباركة التي تستقبل هذه الأعداد الكثيرة من المسلمين من مختلف أنحاء العالم وتقوم بضيافتهم وتهيئ لهم المشاعر في أحسن مستوى، وتقدم لهم الخدمات في أعلى قدر ممكن».

عبدالله البعيجان - المسجد النبوي