الرأي

رحلة إلى جوهر الديانات الثلاث

مع الحج، وإثابة الحجاج لمكة - شرفها الله - رجالا وعلى كل ضامر من كل فج عميق، تعود ذكرى الخليل إبراهيم عليه السلام للعالمين، بما تحمله هذه الذكرى من قضايا إيمانية ومعرفية وأخلاقية مرتبطة بهذه البقعة المقدسة.

كتب بروس فيلر كتابا أسماه الخليل إبراهيم «رحلة إلى جوهر الديانات الثلاث»، وهو في الواقع رحلة معرفية ماتعة لبعض الأماكن المرتبطة بالخليل إبراهيم عليه السلام، التقى فيها «فيلر» ممثلين عن الديانات الإبراهيمية الثلاث، وتحدث عما يجمعهم وما يفرقهم في إيمانهم بمن

يسميه بـ «أبي الآباء» والجد المشترك، وما الشعائر والطقوس الباقية والمرتبطة بهذه الشخصية المركزية في الإيمان العالمي.

يقول عن رحلته إنها عبرت الزمان والمكان، رحلة لأربعة آلاف سنة، ولثلاث ديانات عالمية، ويقول: رغم الثورات في تاريخ الأفكار التي لا تحصى ولا تعد، تظل شخصية إبراهيم هي الملهمة لنصف المؤمنين في العالم، وقصته مع ابنه من أكثر القصص الساحرة، فيتذكرها المسيحيون في عيد القيامة «الفصح»، ويتلوها اليهود في عيد رأس السنة، والمسلمون في ذروة الحج «في عيد الأضحى».

وتحدث فيلر عن عقيدة المسلمين في قصة الذبيح وأنه إسماعيل، وعن رمي الجمرات والحكمة منها، وعن الأضحية التي تثير دهشته، إذ يقول: في السعودية وحدها يتم نحر نصف مليون حيوان ما بين غنم وبقر وجمال في مناسبة واحدة! كأنه يشير إلى عمق إيمان المسلمين وصحة يقينهم بهذه الشعيرة وما ارتبط بها من خبر وقصص النبي إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام، بل يقول لو سألت أي مسلم في العالم سواء في مكة أو منى أو على الانترنت من هو ابن إبراهيم الذي فداه الله لقال بلا تردد: إسماعيل، وهذا مما دعاه للوقوف على النص القرآني، وأبرز التفاسير، ومحاولة معرف سبب عدم تسمية القرآن للذبيح؟!

ثم يناقش فكرة أن «إبراهيم» هو أفضل وعاء للمصالحة بين الأديان، ويقول إنه وعاء واسع بما يكفي، حتى إن شكسبير لا يمكنه أن يبدع شخصية أفضل منه!

والمسلمون - بفضل الله - أولى الناس بإبراهيم عليه السلام، فهم الذين ينتمون للدين الذي رضيه الله لإبراهيم ولجميع الأنبياء عليهم السلام، وهم الذين يتمتعون برؤية آثار الخليل الباقية، فالبيت بيت الله الذي رفعه إبراهيم، والمكان يقينا مكان إبراهيم وهاجر وإسماعيل والمؤمنون من بعدهم، ومقام إبراهيم وآثار قدمه من أعظم الآيات البينات التي يراها الآن كل مسلم، والصفا والمروة وزمزم والمشاعر ومنى وحدود الحرم كلها شاهدة على أبي الأنبياء عليه الصلاة والسلام الذي ضل عنه اليهود والنصارى وهدينا له، هداية مفتوحة متاحة لكل عرق ولون ولغة بشرط اتباع ملة إبراهيم وهدي النبي الخاتم عليهما الصلاة والسلام، والإيمان بالوحي المعصوم، والتدين بالدين المرضي عنه عند ربنا عز وجل.

البحث عن إبراهيم عليه السلام كما يرى فيلر لم يعد في البحث عن مولده، لكنه في النظر إلى أي مدى قام شخص بإعادة قصته.

ونحن اليوم وكل يوم بحاجة لإعادة قصة الخليل وقصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لنعرف كيف كانت نفوسهم؟ وكيف كانت علاقتهم بالله وتوكلهم عليه واستجابتهم له؟ وكيف عالجوا الحياة والظروف والنوازل وما يطرأ عليهم من أحوال بشرية معتادة؟ وكيف مالوا إلى مراد الحق تبارك وتعالى في معركة الثنائيات الكبرى: الإيمان والنكران، والشكر والكفر، والحق والباطل، والصدق والكذب، والعلم والجهل، واليقين والشك، والاستقامة والانحراف، والصبر والجزع..؟ ولماذا لم يتسموا بغير ما سماهم الله؟! فهم «مسلمون» لا يهود ولا نصارى ولا «إسلاميون» بالمعنى الأيديولوجي للإسلام.