الحياة العلمية بالجموم خلال القرنين التاسع والعاشر
لم تقدم لنا كتب التاريخ تفاصيل وافية عن الحياة العلمية بالجموم خلال القرون المبكرة أو الوسيطة أو المتأخرة، ولم نعثر على مدارس كانت تؤدى فيها مثل هذه المناشط، وهذا يعود للحالة السائدة التي كانت عليها أودية مكة المحيطة كنعمان ومر الظهران، حيث استحوذت مكة على المناشط العلمية كافة وظلت هدفا لطلبة العلم والعلماء، أما أودية مكة فقد بقيت بعيدة عن نمط المؤسسات التعليمية، حيث ساد الجهل بشكل كبير جدا حتى أصبح سمة واضحة ولم يكن يعبأ حكام مكة بهذه الظاهرة ولم نسمع أن حاكما أنشأ مدرسة أو رباطا تعليميا على الرغم من أن هناك أوقافا كانت بهذه الأودية تدر ربحها لطلبة العلم بمكة! ومع ذلك لم يخل مر الظهران من بعض الومضات العلمية العابرة، فبإمكان المتتبع لهذه المناشط أن يتحصل على بعض الاستشفافات التي يمكن لأي مهتم أن يجدها مبثوثة بين كتب التراجم ومدونات المؤرخين البلدانية، وقد استطاع السخاوي في الضوء اللامع أن يقدم لنا تراجم جيدة لبعض الشعراء والفقهاء والأدباء الذين زاروا الجموم وأثروا مجالسها الثقافية إبان القرن التاسع، حيث امتد تأثيرهم حتى مطلع القرن العاشر رغم أن السخاوي أرخ للقرن التاسع فقط بموجب منهجه، كما أسهم ابن فهد في حسن القرى وهو من رواد مؤرخي القرن العاشر في تثبيت بعض النصوص الشعرية التي قيلت بمسجد الجموم وفي أصائل الجموم وما حولها إبان القرن العاشر، وما ذكره الفاسي في العقد من تراجم يوحي أن الجموم كانت تشهد نوعا من المجالس الثقافية الدينية والأدبية خلال القرن التاسع، وجاءت على سبيل إضاءات يمكن استقطابها ضمن الحياة العلمية بالجموم
الاحد / 12 / محرم / 1437 هـ - 13:45 - الاحد 25 أكتوبر 2015 13:45
لم تقدم لنا كتب التاريخ تفاصيل وافية عن الحياة العلمية بالجموم خلال القرون المبكرة أو الوسيطة أو المتأخرة، ولم نعثر على مدارس كانت تؤدى فيها مثل هذه المناشط، وهذا يعود للحالة السائدة التي كانت عليها أودية مكة المحيطة كنعمان ومر الظهران، حيث استحوذت مكة على المناشط العلمية كافة وظلت هدفا لطلبة العلم والعلماء، أما أودية مكة فقد بقيت بعيدة عن نمط المؤسسات التعليمية، حيث ساد الجهل بشكل كبير جدا حتى أصبح سمة واضحة ولم يكن يعبأ حكام مكة بهذه الظاهرة ولم نسمع أن حاكما أنشأ مدرسة أو رباطا تعليميا على الرغم من أن هناك أوقافا كانت بهذه الأودية تدر ربحها لطلبة العلم بمكة! ومع ذلك لم يخل مر الظهران من بعض الومضات العلمية العابرة، فبإمكان المتتبع لهذه المناشط أن يتحصل على بعض الاستشفافات التي يمكن لأي مهتم أن يجدها مبثوثة بين كتب التراجم ومدونات المؤرخين البلدانية، وقد استطاع السخاوي في الضوء اللامع أن يقدم لنا تراجم جيدة لبعض الشعراء والفقهاء والأدباء الذين زاروا الجموم وأثروا مجالسها الثقافية إبان القرن التاسع، حيث امتد تأثيرهم حتى مطلع القرن العاشر رغم أن السخاوي أرخ للقرن التاسع فقط بموجب منهجه، كما أسهم ابن فهد في حسن القرى وهو من رواد مؤرخي القرن العاشر في تثبيت بعض النصوص الشعرية التي قيلت بمسجد الجموم وفي أصائل الجموم وما حولها إبان القرن العاشر، وما ذكره الفاسي في العقد من تراجم يوحي أن الجموم كانت تشهد نوعا من المجالس الثقافية الدينية والأدبية خلال القرن التاسع، وجاءت على سبيل إضاءات يمكن استقطابها ضمن الحياة العلمية بالجموم. لقد أتحفنا الهاشمي في حسن قراه بمجموعة من العلماء ممن كان لهم اتصال بالجموم ومن جملتهم إسماعيل بن أبي بكر وأبوبكر الحنبلي ومحيي الدين العراقي وأبوالسعود محمد بن إبراهيم بن ظهيرة القرشي والشاعر أبواللطف الأنصاري، وكل هؤلاء علماء كبار وفقهاء ومحدثون بالحرم ولهم ثقلهم العلمي، ويمكن مراجعة السخاوي والفاسي لمعرفة بعض منهم من خلال الترجمة لندرك كيف كانت منزلتهم العلمية، ويثبت جليا هذا النشاط ابن فهد الهاشمي في كونه قصد بركة كبيرة وجميلة بالجموم اسمها المغيضة مع جملة فقهاء بل ويضبط تاريخ هذه الزيارة في عام 947هـ يقول: (فتوجهت لرؤيتها مع جماعة الفقهاء والرؤساء والنبلاء). ونلاحظ هنا عبارة جماعة الفقهاء مما يوحي بكثرتهم، ولم تكن الحركة العلمية الدينية محصورة بالجموم بل امتدت لقرى الوادي الأخرى المجاورة للجموم ولكن بقدر محدود جدا كما هو الحال في أبي شعيب وأبي عروة وصولا لوادي علاف ووادي نخلة ولكنها ظلت في إطارها النخبوي وقل تأثيرها بين عامة الناس، وأصبحت تأتي في الغالب ضمن سياق مجالس الوزراء وحاشيتهم وهم عادة من الملاك وأصحاب الضياع وممن لهم علم ومعرفة جيدة بأمور الأدب والفقه، وانحسارها في النخب يجعلني أشك في تأثيرها في فكر العامة بشكل واسع بالجموم مما أوجد فراغا علميا ودينيا تجلى بشكل واضح إبان القرون المتأخرة بدءا من القرن الحادي عشر، كما لم تنجح هذه الإضاءات في تثبيت مشروع ديني مناسب خلال القرون المتأخرة كالقرنين الحادي عشر والثاني عشر رغم أن الجموم كانت مهيأة طبيعيا تماما لاستنبات مشروع علمي ديني وأدبي... وعلى الجملة فقد لامست هذه المناشط سكان الجموم على خجل وهذه الملامسات ظلت زمنية ومحصورة بأوقات الصيف. تقع الجموم شمال مكة المكرمة بنحو 30 كيلا، وقربها هذا كان من الممكن أن يهيئ لها قبسات علمية جلية كبيرة بحكم قربها من مكة ولكن ذلك لم يحصل. ويمكننا أن نتعرف على بعض النواحي الثقافية من خلال بعض المقطوعات الشعرية التي نظمها بعض الفقهاء وغيرهم خلال زيارتهم للوادي، ومن هؤلاء الشعراء الشاعر محمد بن عبدالعزيز الفيومي يصف عين أم شميلة الملاصقة للجموم يقول مطلعها: حمام شدا في الزهر أم صوت مزهر وريح صبا تسري أم الراح تسكر وأم شميلة ملاصقة للجموم في حدها الجنوبي يتفيأها جبل سدر بظل العشي وهي من العيون الواسعة. ومن جملة المشاهير والوجهاء العلماء القاضي شرف الدين أبوالقاسم وقد أثبت له الهاشمي تاريخا موثقا زار فيه الجموم وهو عام 920هـ، كما أورد له قصيدة يقول منها: لله يوم جادت به يد الزمن طاب المقيل بواديها البهي الحسن وادي الجموم الذي يزهو بجاريه له بمنظر يشكو الشجى والشجن ولم تكن السلطة بمكة ترغب أصلا في تكوين مراكز علمية خارجها مما ضاعف مشكلة الجهل والأمية، ثم حل العصر العثماني قبل منتصف القرن العاشر وظل يمارس نفس الطريقة. وللأمانة فقد لاحظت أن هناك مدا إصلاحيا تبناه السنوسيون نهاية القرن الثالث عشر بالجموم لو كتب له النجاح وفق ما رتب له لتغيرت الحياة العلمية كليا بالجموم وما حولها.. ولكنه وئد تقريبا مع حلول عام 1300هـ وخفتت هذه الحركة الإصلاحية. وللحديث صلة..