الرأي

حتى لا تقتلنا اللغة البيضاء!

عبدالحليم البراك
ماذا فعلت بنا اللغة البيضاء، أو اللهجة البيضاء، وقبل هذا، لعل سؤالا تطرحه عزيزي القارئ؛ ما هي اللغة البيضاء أو اللهجة البيضاء التي تتحدث عنها؟

هي لغة محلية شعبية عامة، أو هي لغة الإعلام المحكية، وبطريقة أخرى ساخرة، هي لغة أهل الرياض! حيث صبغت لهجة الرياض العامية، كل وسائل الإعلام، بل وحياة الناس كلهم؛ وهذا طبيعي فهي لغة العاصمة، فصارت كأنها لغة عربية فصيحة، ومن هنا جاءت تسميتها باللغة البيضاء، وهي تشبه لغة الإعلام المحكي في لبنان وما يقال عنها إنها اللغة البيروتية، بينما اللهجة اللبنانية في الشارع شيء مختلف.

مهما يكن من أمر، هذه اللهجة - أقصد اللهجة السعودية البيضاء - رغم الاتفاق على أنها تصلح كلغة إعلامية، إلا أنها دمرت جماليات اللهجات الأخرى في المملكة، خاصة أن المملكة غنية باللهجات والمصطلحات والتوسع الجغرافي الذي أعطاها مساحة كبيرة لاختلاف اللهجات، رغم أننا نتكلم لغة عربية واحدة!

- عموما، لهجة أهل القصيم تكاد تندثر بسبب تعلق بنات القصيم بالتخلص من الكاف والسين المدمجة المرتبطة بالتأنيث خصوصا مثل «وشلونتس، أخبارتس» أو تعلق الشباب بقولهم: محلات بدلا من «دكاتسين» وهي «دكاكين، جمع دكان»، حيث تتحول في الجمع لدكاتسين؛ بكاف في الأولى وكاف وسين مدمجة في الثانية، هروبا من الدمج، ومقاربة للغة أهل الرياض، بل إن كلمة «بوه» الجملة الجميلة الشهيرة في القصيم تحولت إلى «فيه» التي لا طعم لها ولا لون، حتى صرنا نخاف أن يختفي شعار التعاون «التعاون ما بوه مثله بالقصيم» إلى «التعاون ما فيه مثله بالقصيم» فتصبح الجملة باردة لا طعم لها!

- اختفت لهجة أهل ثادق وحريملاء في تبديل الكلمات من «يظهر» بمعنى يخرج للبر، إلى «كشته»، وكلمة «ميدي» التي تعني ملكي وخاصتي إلى «لي» الملكية وكلمة «فيذا» الشهيرة تحولت إلى «هنا»، بينما «فيذا» أرق وأجمل!

- لحائل والشمال خصوصا لهجة شاعرية لطيفة تحولت بقدرة قادر إلى لهجة رياضية، وسابقا كنت تعرف الحائلي من أول كلمتين، والآن يصعب عليك أن تعرف أنه من أهل حائل بعد أن بدلت كلمة «عانقني» بمعنى قابلني، وحذف التاء في الجمع مثل «شفت مجموعة تريلاي» بدلا من «شفت مجموعة تريلات» وظهرت كلمة «وش فيك» بدلا من كلمتهم الشهيرة «وش نوحك» وصاروا يقولون عن الأولاد «الأولاد» وتركوا كلمة «وغدان» الأرق والأجمل بكثير!

- والحجاز المكي الذي نستلذ بعباراته مثل «أندر ندرت عينك من حقها» اختفت لتظهر كلمات أقرب ما تكون للهجة بيضاء جداوية راقية لكنها كالماء لا طعم لها ولا لون!

بل إن كلمة «أنوار» التي تقال بعد الوليمة تحولت إلى كلمة مختلفة، بيضاء تماما هي «سفرة دائمة».

- وفي الجنوب، لغة جنوبية جميلة مثل الشين في التأنيث، وآبه بدلا من بابا، وكلمة «يطعني عنش» بمعنى جعلني فدوة عنك، والتي تكاد تنقرض تماما، ويحل محلها «فديتك!!» ولا ننسى الأغنية الشهيرة يا «طائرة يا بخت من هو ركب فيش»، هذا غير التمييز الجميل بين اللهجة العسيرية والقحطانية والغامدية، والتي لا يتقن الفرق بينها إلا أهلها.

- وفي الأحساء من المسؤول عن اختفاء لهجة الهفوف والمبرز المميزة، وكان الناس في الأحساء يقولون «روح للسوق هبابج تخلص للعيد» فتحولت إلى «يمكن تلحق أو ما تلحق» وكلمة «زتك أو زتج» بمعنى (مستعجل بسرعة) تبخرت هذه الكلمات التي تقطر عذوبة وفخامة وبساطة، وجاءت بدلا منها لهجة أحسائية رياضية إعلامية بيضاء هجينة لا تمت للأحساء بصلة.

وسخرية، أحمل المسؤولية لاثنين:

السيدات لأنهن يحببن أن يظهرن بأنهن راقيات و«كول» بأخذ لهجة الآخر، خاصة الجيل الجديد. والرجال الذين يحاولون أن يكونوا أقرب للهجة الرياض من لهجتهم المحلية. وفي النهاية الإنسان المحلي هو المسؤول عن ذلك، رجلا كان أم امرأة!

@Halemalbaarrak