الرأي
الثلاثاء 28 شعبان 1439 - 15 مايو 2018
مثلث برمودا الوظيفي..

كل متقدم وباحث عن العمل في رأيي الخاص يمر بثلاثة مكونات رئيسة تمثل مثلث الحياة الوظيفية للشخص الذي سيقضي معظم وقته في عمله وبين جنبات المنظمة التي سيلتحق بها، وتقوم بتشكيل هذه المكونات عوامل عدة نفسية واجتماعية، ووظيفية وتنظيمية أيضا.

فالمكون الأول لأضلاع المثلث الوظيفي الذي أعتبره الأساس هو «استعداد الشخصية»، ويكون قبل التوظيف وتحديدا في مرحلة الاستقطاب، وذلك بالبحث عن موظفين مؤهلين تنطبق عليهم عوامل عدة تراها المنظمة وتحددها بحسب المؤهلات العلمية والخبرات العملية والمنصب المراد شغره والمرحلة العمرية.

فيلعب دور الاستعداد الجيني والتنشئة الوالدية للمتقدم على الوظيفة دورا محوريا، فإما أن يكون إيجابيا بتحقق الرغبة للفرد وحب الوظيفة والعمل، أو يحدث عكس ذلك بأن يستشعر بنوع من الوجل والخوف وأحيانا الذعر من المقابلة الشخصية ومن مستقبل الوظيفة ومن الأشخاص الذين سيقومون بمقابلته بسبب الرهاب الأسري بتوجيه الابن لتخصص معين لمجرد تحقيق طموح الآباء النفسي والمجتمعي فقط، ضاربين عرض الحائط بحق الابن باختيار ميوله ورغبته.

وتدور في ذهن المتقدم تساؤلات عدة، غالبا ما تكون محبطة ودونية لشخصيته ولما يشعر به تجاه نفسه، وأحيانا يمضي الليل سهران إلى أن تتم مقابلته وهو في أشد حالات الإعياء والتعب، أو تطبق عليه اختبارات المفاضلة ليتم تحديد الأجدر وظيفيا والأنسب للوظيفة مع العلم أن الشخص المتقدم المبالغ في تهويل موضوع المقابلة قد يكون الأصلح، ولكنه يضيع على نفسه الكثير من الفرص بسبب الصورة الذهنية المشوهة عن نفسه وقدراته وإمكاناته.

فهذه المرحلة أعتبرها مرحلة مفصلية وفارقة في حياة المتقدم للوظيفة، إذ يجب على أسرته ووالديه سلفا أن يشعروه بضرورة اكتشاف الذات، وما هي الأعمال المناسبة لها، وأن يدعموه ويرفعوا من معنوياته بأن يتهيأ نفسيا وعلميا وعمليا منذ تخرجه في المرحلة الثانوية وقبل ذلك أيضا، فاختيار التخصص يتطلب بالدرجة الأولى الاستعداد النفسي، وأن يصقل قدراته وإمكاناته، وأن يبادر الإخوة والأصحاب أو ممن سبقه للوظيفة إلى توجيهه لمعرفة ميوله المهنية، وتعزيز ذلك بالتوجه لمراكز الاستشارات التربوية والنفسية المنتشرة بالمملكة، والتي تقوم بالمساعدة وتقديم المشورة وعمل اختبارات عدة إسقاطية ونفسية وتحريرية وشفهية، متركزة على الشخصية وما يتناسب معها من تخصص مستقبلي في الجامعات والمعاهد، مثل اختبار ACIA وMBTI وأيضا ما يتواءم معها من وظيفة يجد فيها متعته المستقبلية، ليحقق بها ذاته ويتفانى في تحقيق معدلات أداء عليا، إضافة إلى القدرة على رفع الإنتاجية من خلال الراحة النفسية باختياره التخصص المستقبلي المنشود بطرق علمية مدروسة.

ويأتي المكون الثاني لأضلاع المثلث الوظيفي وهو «المنصب» أو الوظيفة التي سيتعين عليها المتقدم، فالوظيفة لها أهمية بالغة وحساسة للمتقدم والموظف من حيث أنها تعكس شخصيته وشغفه وانتماءه، بل كثيرا ما يحقق الشخص ذاته من خلال وظيفته وطموحه للوصول إليها، فالتوأمة الوظيفية تحدث بين الموظف والوظيفة إذا اكتملت بينهما أركان الاندماج، وهي: التخصص والميول والإمكانات والقدرات، ويكتمل هذا الاندماج كما أسلفت من خلال الاستعداد الجيني والنفسي والدعم الأسري.

فمكون «الوظيفة» أعتبره من وجهة نظري السلوكية والتنظيمية مكونا ذا حساسية عالية يعمل على إشباع النواحي النفسية ويدعم تحديدا جهة الرضا النفسي والوظيفي، فهذا المكون له معياران رئيسان هما «القوة والأمانة»، قال تعالى في محكم تنزيله «إن خير من استأجرت القوي الأمين» سورة القصص الآية 26، إضافة إلى ذلك فإنه يدفع بالموظف إلى تحقيق ما يسمى في السلوك التنظيمي بـ «الاستعلاء الوظيفي»، وأقصد بالاستعلاء هنا الفخر والحب للوظيفة إذا أشبع هذا المكون وحقق الغرض منه، ويؤدي أيضا إلى تخطي المسار الوظيفي بطريقة صحيحة من ناحية الترقيات وبلوغ الأهداف العملية وتحقيق أعلى معدلات للأداء في الوظيفة، وبالتالي انعكاس بيئة عمل صحية على الموظف نفسه وعلى زملاء العمل ورفع الإنتاجية.

والمكون الثالث لأضلاع المثلث الوظيفي هو «المنظمة» أو الكيان الذي يعمل به الموظف، وللمنظمة مقومان أساسيان، الأول التنفيذيون وأصحاب القرار، والثاني طبيعة النشاط وحجم المنظمة وانتشارها وسمعتها. فهذا المكون يعتبر الداعم المكمل للميول المهني والاستعداد النفسي والشغف الوظيفي للموظف، حيث يستطيع تنفيذيو المنظمة رفع الروح المعنوية لدى الموظفين من خلال قراراتهم واستراتيجيتهم المرسومة والمخطط لها سلفا، فالإدارة العليا لها تأثير قوي على الموظفين وعلى نفسياتهم، مثل صرف العلاوات والزيادات والمكافآت، وحجم الهيكل التنظيمي وشكله وطبيعته، وتسلسل المناصب من الإدارة العليا نزولا إلى الوسطى واستقرارا في الإدارة التنفيذية، والعكس صحيح للقرارات الهابطة والصاعدة والمعلومات التي فيها نواح إيجابية للموظفين، وحجم المنظمة واسمها وعلامتها التجارية أيضا تؤدي بالموظف إلى الاعتزاز بشعارها وبعلامتها التجارية، بل يتعدى الأمر ذلك إلى انتقال عدوى الحب والولاء للمنظمة إلى أسرة الموظف وأبنائه من خلال المزايا والتعويضات التي تمنحها وتقدمها له ولأسرته، مثل التذاكر والعلاج المجاني والمدارس والترفيه وغيرها.

فمكونات أضلاع المثلث الوظيفي إذا تم إشباعها بالطريقة السليمة فإن الموظف يصبح في حالة صحية عالية، وترتفع معها نفسيته وإنتاجيته وولاؤه التنظيمي، ويعتبر من الناجين وظيفيا، أما في حال الإخفاقات والصراعات فستتحول مكونات الأضلاع الثلاثة إلى مثلث برمودا الذي يختفي فيه الموظف والوظيفة والمنظمة.


أضف تعليقاً