الطلاق في معناه العقلاني استنفاد الزوجين كل سبل علاج مشاكلهما الأسرية، وانقطاع حبال التفاهم بينهما، ولكنه لا يعني انقطاع الود، ولعل قوله تعالى «أو تسريح بإحسان» دليل دامغ على سمو (الحل) الذي يجب أن تسمو إليه الأرواح أيضا، فليس الطلاق في حقيقته بشعا؛ لأنه حل إنساني لإنهاء تعاسة الزوجين أو أحدهما، وكم من حالات زواج قائمة يكون الطلاق أسعد من استمرارها بعد أن استحالت هما وتعاسة وجمرا لا يطاق. فمن جعل الطلاق بشعا؟!

تأتي بشاعة الطلاق من اكتسابه معاني (الهدم/ الانفصال/ التشتت/ ضياع الأبناء)، لكن ليست هذه المعاني وحدها المسؤولة عن بشاعته، بل تأتي البشاعة من ثقافة الزوجين، ومحاولة كل منهما إيذاء الآخر بعد استحالة الحياة، وهنا يصدق القول «أخذته العزة بالإثم»، فمعظم المشاكل التي نراها اليوم في كثير من حالات الطلاق، وتزدحم بها المحاكم تدور في فلك الانتصار للذات (الانتقام)، هذه الثقافة البائسة التي أعطت الحل الإنساني بشاعة أعمق.

غالبا حين يطلب أحد الزوجين الطلاق يشعر الآخر بالنقص، وتجلجل في أعماقه (الأنا) إلى درجة مرعبة، ولا يرى أن من حق الآخر أن يجرؤ على هذا الطلب، فتحتدم المشاكل قبل الطلاق، وتقع المصائب وتعظم الاتهامات، ويتدخل حكماء العائلتين لإنهاء الأزمة، لكن الشرخ في النفس يظل يتسع، ويشعر بجرح كرامته، وتحتدم الأمور حتى تضطر أحدهما إلى اللجوء للمحكمة، وهناك تستمر القضايا والمرافعات، وكل منهما يحاول إرغام الآخر على مراده بكل الوسائل، وحين يتم الطلاق تبدأ مشاكل أخرى، مشاكل الأطفال والنفقة، ويسرع بعض الأزواج في الاقتران بأخرى، وغالبا يكون الدافع إغاظة المطلقة، وربما ترضى المرأة بأول عريس يتقدم لها إغاظة للرجل أيضا.

الأطفال أكثر الناس تضررا من الطلاق بمواصفاته العربية الفجة، فلو استمر حبل الود بين الزوجين بعد الطلاق لما تضرروا بهذه الصورة المؤذية، ولما شعروا بالنقص الكبير عن أفراد الأسر العامرة بالحب والتماسك، لكن أنى يكونون أسوياء ووالداهم يغذيانهم بالكراهية وتشويه بعضهما، وكأن قلوب الصغار حزام البطولة التي سيفوز بها أحد المتصارعين، ولا يعلمون أنهم يدمرون قلوبهم وأرواحهم، ويحدثون شروخا عميقة لا يمكن أن تبرأ ألبتة.

أما ثاني المتضررين فهي المرأة، وقد شيطنت الثقافة العربية المرأة المطلقة، (أيا كان نوع طلاقها ومدته) حتى لو كان بعد كتابة عقد النكاح مباشرة، فلا يتقدم لها إلا كهل ثاو أو مزواج لعوب، وتضيق بها حتى قلوب أهلها حين تقرعها كلماتهم اللوامة ليل نهار، بدلا من أن يكونوا لها عونا وسندا في محنتها المدوية في كل خلية حية في جسدها وروحها.

أتساءل: لماذا لا نتبع السبيل القرآني في (التسريح بإحسان)؟ ولماذا تدوي في أعماقنا ثقافة الانتصار للذات إلى درجة سحق الآخرين حينما لا نعجبهم، أو لا تعجبهم طريقتنا في الحياة؟ أو نكون أقل من توقعاتهم قبل الرباط المقدس؟!

ahmad_helali@