الرأي
الثلاثاء 14 شعبان 1439 - 01 مايو 2018
بين المثقف العربي والمرشح الانتخابي

في الدول الديمقراطية التي ينتخب فيها المواطنون ممثليهم للبرلمانات والمجالس التشريعية يبذل المرشحون أياما عصيبة وأشهرا وهم يتجولون بين المناطق والدوائر الانتخابية يتحدثون إلى الناس ويعلنون برامج انتخاب تقدم المن والسلوى لكل ناخب في دائرة المرشح الانتخابية، ويعدون من ينتخبهم بحل كل ما يواجههم من مشكلات.

وعندما يتم الترشيح ويصوت الجمهور لمن يختارون بعد رحلة عناء طويلة يلحس المرشحون الوعود التي وعدوا بها ويتنصلون منها، وهم لا يفعلون ما فعلوا مكرا، ولكنهم يجدون أنفسهم عاجزين عن فعل ما كانوا قادرين عليه بالكلام، وينسى الجمهور الوعود التي لم تتحقق حتى يأتي زمن انتخابي جديد، فتعود عجلة الوعود مرة أخرى وكأن شيئا لم يكن، وقد ينتخبون مرشحهم الأول مرة أخرى ومرات كثيرة.

النسيان أو تبدل الحال أو تغير الجمهور أو كل ذلك معا يحسنه السياسيون ويلعبون عليه، لكن النظام الانتخابي يفرض على هؤلاء الذين يهذرون بالأكاذيب والوعود في الانتخابات طوال مدة انتخابهم، وبعضها يصل إلى عدة أشهر، يفرض عليهم الصمت في يوم محدد يصمتون فيه عن الكلام ليستعيدوا شيئا فقدوه أثناء حملتهم الانتخابية ويعيدوا لياقتهم الاجتماعية وسمتهم الذي كانوا عليه من قبل حتى يصبحوا متماسكين ذاتيا.

وهناك وجه شبه بين المرشحين في الأحزاب الديمقراطية والمثقفين في العالم العربي، ووجه الشبه في أكثر من جانب، وأهمها أن المثقفين العرب يتحدثون في كل شيء، ويقولون في كل معنى، ويرون أن واجب الجمهور العربي أن يصفق لهم ويرفع يديه بالتحية.

وما يميزهم عن المرشح الانتخابي أن أمامهم دوائر مفتوحة ومجتمعا كبيرا يتوجهون إليه فيما يقولون وفيما يزعمون من الأفكار والرؤى، وميدانهم واسع لا يحد بدائرة ولا تحتويه مدينة، وهم يزيدون على مرشحي الأحزاب بأن الوقت كله مفتوح أمامهم وليس لهم وقت محدد. يقولون ما يعرفون وما لا يعرفون ولا يوجد يوم صمت ولا أيام، كل الأيام مفتوحة وكذلك مواسم الكلام ومناسباته مفتوحة لا تحد بزمن ولا يحتويها مكان، ولا يلتزمون ببرنامج حزبي خاص.

يتحدث المثقف العربي كما يشاء وفي كل الموضوعات التي يراها مناسبة للحديث وصالحة للاستثمار في أي وقت يختاره، فالفضاء واسع والمشكلات كثيرة والخصوم المتنافسون أكثر مما يحتاج إليه ليدور بينهم، لكن مسافة التنقل بين هذه المتناقضات الكبيرة هي مشكلة المثقف التي تنغص عليه بعض الأحيان، فلا يستطيع التحول المناسب في الوقت المناسب، وهذا الحال الذي أدمنوا عليه ولبثوا فيه دهرا جعل المثقف العربي يصاب بدوار كلامي خطير يخرجه عن سمته حين يشعر بتغير المحيط الذي حوله فيخرج ما في رأسه من أفكار، ينقض اليوم ما قاله بالأمس، ويصطف اليوم مع فريق كان في الصف المقابل له.

لم يدرك المثقف العربي وظيفته الثقافية ورسالته الإنسانية التي يجب أن يتحلى بها، ولكنه انحدر إلى ممارسة القطرية الممقوتة والطائفية البغيضة والنفعية الماحقة، وضاع اتجاهه بين واقعه الذي أصبح فيه وبين دوره الوطني الذي يجب عليه.

تقمص المثقف العربي شخصية المرشح الانتخابي وأصبح يركض أمام جمهوره يصفق له ولو على حساب مبادئه وقيمه وأخلاقه، وكشفت الأحداث الكبرى التي يخوضها مجتمعه ويعيشها هشاشة معتقده فأصبح اصطفافيا مع هذا الفريق أو ذاك، وفقد الرؤية المستقلة والمعالجة المتزنة وتشريح الواقع المؤلم.

أحاول أن أسمع أو أقرأ أو أجد مثقفا يتصدى باعتدال واستقلال ورؤية علمية للداء العضال الذي يفتك في مجتمعه في هذا الوقت؛ داء الحروب والفتن والاختلاف وتضارب المصالح، فلا أجد أحدا ولا أسمع إلا صوتا لا يصدقه الواقع ولا تقبله الكرامة.


أضف تعليقاً