الرأي
الثلاثاء 7 شعبان 1439 - 24 أبريل 2018
لقب لا يحبه الرجال

كنت أريد أن أنتظر أطول مما انتظرت لمراقبة ما يحدث في بلادنا من تطور وتحول كبير وتغير أكبر حين أعلنت الحكومة عن برنامج التحول والرؤية، وهو ليس البرنامج الأول وليس الوحيد الذي تعد الحكومة بتنفيذه، ولكن سبقته مئات المشاريع والخطط والتحولات في مسيرتنا الكبرى منذ أنعم الله علينا بفضله بالوحدة التي جمعت الشمل ووحدت الكلمة ولمت أطراف الجزيرة على قلبها، ثم ما رزقت به من هذا النبع الفياض الذهب الأسود، وهو أسود في لونه أبيض في فضله علينا وعلى الناس من حولنا.

ونحمد الله على ما أنعم به وأكرم، كان التحول في الماضي تحولا في البناء وفي التعليم وفي الوفرة المادية وفي الملبس والمأكل وفي الثروة التي ظهرت واتسعت وأصبح الأغنياء فينا وغير الأغنياء يشعرون بالاطمئنان وبالرخاء النفسي وإن كانوا على الكفاف من العيش، امتدت المدن وقامت المشاريع واتسعت المساحات وانتشر التعليم وعبدت الطرق.

ولا يكون منصفا من لا يرى ما وصلنا إليه في هذا الجانب المادي الكبير، والبناء الشامخ والعطاء الغزير، ليس للمواطنين فحسب ولكنه رافد مهم في اقتصاد العالم ونفع عام للناس، ومع ذلك فلقائل أن يقول إن هذا بعض ما يجب أن تفعل الحكومة وأن ما نراه يحدث من التقدم في الماديات هو حصيلة ثروة هائلة جناها الوطن وأهله وأنفقوا منها ما يكون بعضه كافيا لما نراه ونشاهده من عمران، والمفقود منه أكثر بكثير مما استخدم، ممكن أن يقال هذا القول ويكون على جانب من الحقيقة.

كانت الأحاديث كثيرة عن المشاريع العملاقة التي تعلن في كل عام وما يتم منها يجعل النقاد يسكتون عما لا يتم، وأنا من هؤلاء الذين يتريثون عن المسارعة في المدح والثناء على من يقومون بالواجب ولو أحسنوا، فذلك واجبهم ونحن نقول: إنه لا شكر على واجب.

كنت وغيري ندرك أن هناك شيئا مفقودا في مجتمعنا ومفقودا في عملنا ومفقودا بيننا ومنسيا في كل ما ذكر من خطط ومشاريع سابقة، وممنوعا من المشاركة، إنه جزء مهم مهمل لا نراه في عمل ولا نعتمد عليه في رأي، وبعيد عما مرت به المملكة من تحولات تحتاج لكل سواعد المجتمع بكل أصنافه وإمكاناته، جزء منا معطل فينا، حكمنا عليه في الغياب إن لم يكن بالسجن الطوعي فبالتجاهل والإهمال.

حتى كان التحول وكانت الرؤية منذ انطلاقتها قبل سنتين، فالتفتت إلى ذلك المفقود الذي كنا نبحث عنه ونرى مكانه فارغا ولا نستطيع ملأه ولا نجد السبيل إليه، ذلك المكان هو مكان المرأة ودورها في المجتمع وفي التنمية، وحقها مثل أخيها الرجل في أن تساهم في نهضة بلدها، وأن تقف بجانب الرجل تؤدي واجبا عليها وحقا لها، فتعمل موظفة في القطاع العام وفي القطاع الخاص وفي كل مرفق لخدمة الوطن، وتقدم نفسها على أنها إنسان مكتمل الأهلية مكلف كغيره من أبناء الوطن مكتسب لنفسه معيل لغيره منتج لوطنه مثل الرجال الذين ينعمون بخيره منذ وجد فيه خير.

لفتة تاريخية واعية مدركة لمتطلبات العصر وضرورات الحياة غيرت كثيرا وتطورت أكثر وأعادت الأمور إلى طبيعتها حين جعلت العمل حقا للجميع، وأعادت للمرأة ذاتها واحترمت خياراتها وحققت المساواة بين الجميع.

ما حدث أخيرا من تحول وتطور اكتشفنا منه أهمية ذلك الجزء المفقود وقيمته، ورأينا بعضنا واكتمل بناء هيكلنا الاجتماعي. فتحت فرص العمل للجزء المهمل فيما مضى فجاء الإقبال من النساء في كل مناشط الحياة التي حرمن منها وقتا طويلا، والتجربة قصيرة والبداية مبشرة بخير. كنت في المطار أتلدد في الانتظار، وإذا بفتاة تناديني بلقب لا يحبه الرجال، ومباغتة بسؤال لم نعتد عليه من موظفينا (هل أساعدك بشيء؟)، ركضت أمامي، أخذت بعض ما أحمل، أجلستني في المكان المناسب، وعادت لتساعد مسافرا آخر، أشياء جديدة في التعامل، وأشياء أجمل تحدث في مجتمعنا، وفق الله الجميع للعمل النافع.

Mtenback@


أضف تعليقاً