الدكتور خالص جلبي ليس رجلا عاديا تمر كلماته وآراؤه مر الكرام، فالناس يعرفونه منذ ثلاثين سنة بيننا، يملأ صحافتنا وأنديتنا بآرائه الثقافية وأطروحاته الفكرية ومقالاته النظرية العميقة في أكثر ما يطرح من آراء، وقد أفردت له الصحف المحلية صفحاتها بدون استثناء، فكتب في جريدة الرياض وعكاظ والجزيرة والحياة والمدينة واليوم والاقتصادية، وغيرها من وسائل النشر، وحتى في صحافة الخليج أتيحت له مساحة مناسبة، وحاضر في الأندية الأدبية والمجالس العائلية في كل مناطق المملكة، والناس يعرفونه بهذه الصفة الفكرية كاتبا ومثقفا يكتب عن هموم المثقفين، ولا يعرفون أنه طبيب جراح لأدق التخصصات الجراحية (الأوعية الدقيقة)، وعمل في هذه المهنة في منطقتين من مناطق المملكة، ومن حسن حظه أو سوئه لا أدري، أنه عمل في مجتمع قد لا تكون ثقافته المحلية متسقة مع الثقافة السائدة في البلاد العربية المختلطة ثقافيا والمختلفة عن ثقافات وعادات وقيم بعيدة عن التقبل لغير السائد.

فقدنا نشاط الدكتور خالص جلبي الثقافي منذ سنتين أو ثلاث وخرج علينا قبل أسبوع موجزا حياته عندنا ونادما عليها كل الندم، إذ لم يجد غير فائض من المال - لا شك أنه فائض محمود وإلا لما صبر وعض أصابع الندم على بقائه من أجله - فرد علينا بفائض من الوصف والتصنيف. وهنا تحركت فينا روح الدفاع على مبدأ (لا يسألون أخاهم حين يندبهم) فامتلأت صفحات تويتر بتسونامي من الردود والاستنكار والشتم والمنة، وليس بفائض فقط. وهو رد مشروع وإغراق لا اعتراض عليه فقد قسا في الحكم وأساء الصحبة وجانبه التوفيق.

لكن الدكتور خالص جلبي ليس وحده، بل غيره كثير ممن يعيش معنا سنين عديدة، ويتحمل ما يراه وما يواجه من مشكلات ويكتمها ما دام فينا، فإذا خرج فاض كيله بما حملت ذاكرته كما فاضت ذاكرة خالص جلبي.

قبل جلبي خرج علينا الشيخ أحمد الريسوني العالم الفاضل الجليل، كما وصفه رجال الدين السعوديون. وقد عمل في مكة المكرمة أكثر من عقد من الزمان، حيث استعانت به رابطة العالم الإسلامي لإنجاز مدونة القواعد الفقهية والأصولية، وانتخب عضوا في هيئة علماء المسلمين، وعضوا في رابطة العالم الإسلامي ومقرها مكة المكرمة، فلما عاد إلى بلاده وصف ما نحن عليه بأنه (إسلام سعودي). ذكرت هذين الرجلين ليس لأنهما الوحيدان اللذان أظهرا الشنآن علينا عندما بعدا عنا، بل لأن كلا منهما على حظ من العلم والفكر والمعرفة، وكل منهما لا يفترض بمثله أن يلقي الكلام على عواهنه، كما نسمع من عامة الناس الذين لا يؤبه لما قالوا.

وبعد، ألا ترون أنه مع احتفاظنا بحقنا والدفاع عن أنفسنا وتكذيب ما زعموا وبطلان ما قالوا علينا أن نفكر قليلا بما نسبوه إلينا من أخطاء أو أشياء يذكرونها - وقد شرحت لكم علمهم وتخصصاتهم المهمة وحاجتنا إليهم، ثم نعيد النظر في تعاملنا مع الناس ونصلح ما نستطيع؟

وبالمناسبة فقد عرفت رجلا عربيا في بريطانيا ميسور الحال ويدير عملا ناجحا في التجارة، وذكر لي أن رأسماله جاء به من المملكة، فسألته لو أتيحت له الفرصة مرة ثانية فهل سيعود، فقال إنه لا يفكر في العودة. ولخص تجربته بكلمات مؤدبة لا تبعد عما قال غيره «الإنسان عندكم يشعر بالغربة وعدم الاطمئنان، ويسمع المنة عليه والتعالي من العامة والخاصة».

ولخالص جلبي تجربة قد يكون لها بعض الأثر فيما قال، وهو أنه كان في رحلة قصيرة مع رفقاء له في العمل فجاء وقت صلاة المغرب - وهو خريج كلية الشريعة وحافظ للقرآن- فتقدم للصلاة، فما كان من السائق إلا أن أخذ بيده وأخره، وقدموا رجلا لم يحسن قراءة الفاتحة. وسبب آخر، وهو المهم، جعله يفضل إقامته عند إخواننا في المغرب وهم أهل فضل، فقد هوى قلبه كريمة جميلة من كرائم المغرب منحته قلبها وحبها وأنسته أيام الجفاف العاطفي بعد أن فقد زوجته الأولى فجأة، ومن أجل عين تكرم مدينة، فالتمسوا لأخيكم عذرا، أليس خالد بن يزيد قد سبقه بقوله:

أحب بني العوام طرا لحبها

ومن أجلها أحببت أخوالها كلبا.

Mtenback@