الرأي
الثلاثاء 24 جمادى الآخرة 1439 - 13 مارس 2018
كيف تواجه الثقافة الحدية

التشبع بثقافة حدية المفاهيم، مبنية على تاريخ عميق وطويل من التراكم النقلي الذي خلفته حقب طويلة من العزلة والانغلاق، كان فيها الصوت المسموع والنص المقروء واحدا لا يعارضه غيره، ولا يسمع سواه، مما آل بقراء هذه الثقافة إلى الرسوخ والثبات والتكرار الذي يجعل حملتها يتخيلون الخصومات والضدية والريبة في المخالف، والتوجس منه شرا، وفرض رؤيتها إن استطاعت على الجميع، وتحديها للواقع وتبرير أعمالها بما تعده من ثوابتها وتقاليدها الموروثة. هذا النوع من الثقافة يصير في الواقع سورا عالي الارتفاع لا يرى من يعيش في داخله غير نفسه ورأيه ومعتقده، حتى لو أراد حامل هذه الثقافة الحدية تجاوز سور ثقافته المحيط برفع النظر إلى أعلى لكي يدرك ما حوله أو يرى ما يحيط به فإن بصره يرتد إلى الذات ولا يخرج عن دائرة المدركات الحدية التي تشبعت بها شخصيته، وتعلمها من الصغر وألفها إلفة حالت بينه وبين التمييز وفرز المتقابلات وفحص المتشابهات.

وقد يفرض على هذا الإنسان الملغم بالثقافة الحدية طلب التسامح مع المخالف، أو يرى هو أنه من مصلحته ولو إلى حين الظهور بالمظهر المتسامح الذي لا بد منه، فيقرر إعلان تسامحه أو يشعر أنه يجب أن يقرر ذلك ويظهره للناس، هذه حالة قد تحدث في متغيرات الظروف وقد يجد حامل الثقافة الحدية نفسه يتماهى مع الواقع الذي أصبح لا مناص من التعامل معه بأمر مختلف. ومع ذلك يبقى الإنسان الملغم بالطائفية يغطي طائفيته ويخفيها عن المشاهدة العادية بالكلام المنمق وفي المظهر الخارجي المرن وبعض المجاملات التي يتكلفها ولكنه يبقى مثل اللغم ينفجر حين يحس ثقل الآخر أو مروره قريبا منه أو معارضته لما يراه ويعتقده.

خطورة الثقافة الطائفية أنها ملتبسة إلى حد بعيد بقيم مذهبية أو عقائدية قائمة على الفرز والتصنيف، تتجاهل المشتركات وتركز على أحادية النظر. هذه النظرة تسود في المجتمع التقليدي المغلق لأسباب تاريخية وسياسية تلغي الآخر وتميزه بصفات تحددها هي لهذا المختلف، وتضيفها إليه وتلزمه بها دون البحث في أصل الثقافة الحقيقية.

وفي رأيي أن المواجهة الناجحة لهذه الثقافة الحدية لا تكون في مصادمتها ولا الاعتراض المباشر عليها، ولا تكون في إلغائها وتجاهل ما تدعو إليه وما تراه وتطبقه، ولكن المواجهة الناجحة لها تفكيكها معرفيا وبيان ما فيها من وهن وضعف ومقابلتها بالجانب المضيء من الثقافة العامة المشتركة، وإبراز الوجه المشرق للثقافة المتسامحة المعتدلة وبيان ما فيها من قيم معهودة يقر الجميع بمبادئها وبمشروعية العمل بها ولو في الخطوط العريضة التي يقرها دعاة الثقافة الحدية ويعترفون بها.

أما مصادرة ما يعتقد الإنسان وما يؤمن به والهجوم المباشر عليه أو فرض التغيير بالقوة فلا أراه هو الحل، الحل الذي يمكن قبوله ويسهل التعامل به، وهو الممكن الآمن هو المكاشفة والمواجهة والمناصحة المفتوحة، وترك فسحة للرأي وللرأي الآخر، والمدارسة الواعية المستنيرة وبيان الخطأ، إن كان ثمة خطأ، وتصحيحه ومقابلته بالصواب. وليس كل الثقافة الحدية باطلة، الباطل ألا نضع الأمور في الإطار السليم وهو الحوار المفتوح والمناقشة العلمية الواعية وتمحيص الآراء وبيان أخطار الرؤية الواحدة حين يلزم بها الناس دون قناعة ولا مبرر للإلزام.

Mtenback@


أضف تعليقاً