الرأي
الأحد 22 جمادى الآخرة 1439 - 11 مارس 2018
الأذان يشنف الآذان

من أفضل النعم التي أنعمها الرازق الوهاب على أمة محمد كمسلمين وموحدين أن فرض علينا الصلاة يوميا، نستشعر رهبتها وجمالها وتبقينا على صلة دائمة واحتياج تام للمولى عز وجل، وهي العروة الوثقى التي لا انفصام لها، ترفعنا برفعتها وتعزنا بعزها؛ فتعلو أصوات المكبرات في وقت واحد تقريبا خمس مرات يوميا، لتتردد على مسامعنا أجمل الكلمات وأنقى العبارات وأعذب الجمل التي تنعش القلب وتجلي الهم وتقشع الغم، ناهيك عن موسم الخير في رمضان، وقيام الليل وصلاة التراويح. وأتأمل في قول الرسول عليه الصلاة والسلام وإشارته للصحابي الجليل بلال بن رباح بين الفينة والفينة «أرحنا بها يا بلال» وكيف وقع اختيار النبي عليه أفضل الصلاة والسلام عليه ومنحه هذا الشرف العظيم ليرتقي في كل صلاة ويكون المؤذن الرئيس.

فلماذا اختار نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام بلالا من بين الصحابة الكرام؟ وما هي الميزة التي كانت لديه؟ وما أثر ذلك على النفس البشرية؟ وما هي علاقة الصوت والاستماع بالراحة النفسية والاطمئنان أو عكس ذلك من النفور وعدم التركيز والإنصات؟

قال عليه الصلاة والسلام لعبدالله بن زيد «ألقه على بلال فإنه أندى صوتا منك»، ويقصد بالحديث التوجيه والأمر بأن يتحمل بلال مسؤولية رفع الأذان، نعم كان رضي الله عنه يمتلك ميزة فريدة عن الصحابة الكرام، وهي «الصوت الندي»، أي المرتفع الجهوري العذب الممتد، والذي يصل لأطراف المدينة لإعلام ساكينها بأوقات الصلاة؛ فحكمة رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام في اختياره كان لها هدف عميق وبليغ، إذ كان المجتمع المدني آنذاك مختلطا بين المهاجرين «أهل مكة» والأنصار «أهل المدينة»، وهم بحاجة أكثر لتثبيت أفئدتهم بالقيم الأخلاقية وتعاليم الدين الإسلامي الحنيف عن طريق المسجد، وجذبهم بروعة الأذان وصوت المؤذن.

ومن وجهة نظري الشخصية كان لأهل المدينة المنورة سلوكيات وممارسات وعادات استشعرها عليه الصلاة والسلام من خلال استقبالهم له بالدفوف والأناشيد حين قدم مهاجرا لطيبة الطيبة مع أصحابه، فكان للصوت الشجي أثر في تليين القلوب وجذب المسامع وأسر الأفئدة، ولاحظت أن في المدينة المنورة المزارع والبساتين وأهلها يتقنون الفلاحة ويقومون وهم في حقولهم ومزارعهم وأثناء عملهم بترديد الأناشيد وإبراز أصواتهم العذبة، لشحذ الهمم للنفس ولبقية المجموعة لبذل مزيد من العمل، ورفع الروح المعنوية من خلال الإنشاد الجماعي، وهذا أيضا ما فعله عليه الصلاة والسلام حين تعاون مع أصحابه المهاجرين والأنصار في بناء أول مسجد في الإسلام وهو «قباء» بطيبة الطيبة، حيث كانوا يرددون أثناء تأسيس قواعد البناء مع النبي وهو ينقل للصحابة اللبن والحجارة «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرة»، ويقول أيضا «هذا الحِمالُ لا حِمال خيبر هذا أبر ربنا وأطهر».

وأرى أن هناك ثلاث ركائز يعتمد عليها التواصل البشري الناجح، خاصة في إعلان الأذان، وهي المرسل «المؤذن»، ومحتوى الرسالة «الأذان»، والمرسل إليه «المصلون»، وتربطهم علاقة طردية، إذ كلما كان المرسل أو المؤذن سلسا وعذبا ونديا في صوته كان الأذان أكثر نقاء ووضوحا وجذبا للقلوب، وسيصبح المستمعون أكثر ارتياحا وتقبلا وانشراحا للصدر، وبالتالي يقع في أنفسهم الخشوع والمبادرة إلى الصلاة، وكثيرا ما أشكر ربي وأحمده أن أكرمني بمسجد قريب جدا لا يتعدى بعده الـ50 مترا من منزلي، ومؤذن وإمام راتب يمتلك جمال الصوت وعذوبته وسلامة المخارج اللفظية ودقة القراءة وإتقان التجويد، فجزاه الله عني وعن حينا خير الجزاء.

ما أرمي إليه هو ضرورة الأخذ في الحسبان من قبل وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد مشكورة بإجراء مسابقة تفاضلية للمرشحين والمتقدمين لشغل المهمة العظيمة على أساس معيار أولي ورئيس في الاختيار بعد حفظ كتاب الله والمعرفة بتجويد آياته وسلامة المخارج اللفظية والشهادة بتمام الخلق والعلم، لأنهم كما قال عليه الصلاة والسلام «المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة»، وأن يمتلك المتقدم جمال الصوت وعذوبته لتشنيف آذان المستمعين، والعمل على جذبهم إلى بيوت الله، وألا يترك الأمر للمجاملة وتزكية أهل الحي للاختيار، ولنلتزم بالمنهج النبوي الشريف ونضع معيار التفاضل والترشيح دائما للمؤذن الكفء «بأنه أندى صوتا منك».

Yos123Omar@


أضف تعليقاً