الرأي
السبت 21 جمادى الآخرة 1439 - 10 مارس 2018
لا مزايدة على مهنة الطوافة!

في الوقت الذي تسعى فيه حكومة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز إلى تعزيز اللحمة الوطنية وتكريس الانتماء الوطني بين أفراد الشعب الواحد، حيث قامت مؤخرا بإعادة تشكيل مركز الحوار الوطني لتحويله إلى منصة للاستماع لكافة المواطنين وإحداث حالة من النهضة بما يتناسب مع متطلبات المرحلة، ودعمها بالكوادر الوطنية السامقة، ومنها تعيين معالي الدكتور عبدالعزيز بن محمد السبيل رئيسا، نجد أن هناك من يغرد خارج السرب في بث التفرقة والعنصرية البغيضة، بل والتحريض والتلفيق، وهم يجدون في تويتر بيئة خصبة لنشر أفكارهم المحرضة. ويتخذون لذلك أسماء وهمية، وتحت شعارات مختلفة مثل هوية مكة والطوافة في خطر. بل إنهم لا يفقهون في أمور الطوافة شيئا فيقولون: إن «ست عوائل» تحتكر الطوافة! ولا يعلمون أنها ست مؤسسات، وكل مؤسسة فيها آلاف العوائل.

وحقيقة لا نعلم مصادرهم، وهل هم من آلاف الحسابات التي تدار من الخارج بهدف زعزعة أمننا الوطني؟ ولكن من المؤسف أن ينجر وراء هؤلاء المحرضين بعض من أبناء الوطن، ويقفوا موقف المصفق والداعم، بل والمطالبة بمطالبهم، وهذا لا يزيد المجتمع إلا تفككا وضعفا، ومن ضمن هؤلاء النابحون بتدويل مكة والحج!

أقول ذلك بعد مطالعتي للهجمة الشرسة التي تقام ضد أهل الطوافة في تويتر، ووصفهم بـ«المستوطنين»، وأنهم صادروا الطوافة من أهلها الشرعيين، مع أن الملك عبدالعزيز - رحمه الله - حينما دخل مكة أعلن في بلاغ مكة التاريخي الشهير عام 1343 «وإن كل من كان من العلماء في هذه الديار أو من موظفي الحرم الشريف أو المطوفين، ذا راتب معين، فهو له على ما كان عليه من قبل إن لم نزده فلا ننقصه شيئا».

وقد كان هذا البلاغ صائبا من جوانب عدة، أولا من حيث الجوانب التاريخية: فهؤلاء هم من خدم الحجاج منذ مئات السنين، بحكم معرفتهم بلغاتهم، ويذكر المؤرخون أنه في عام 884 تقدم السلطان قيتباي وهو أحد سلاطين الشراكسة لأداء الطواف وكان جاهلا باللغة العربية، فما كان من أمير مكة إلا أن عين له القاضي إبراهيم بن ظهيرة لتلقينه الأدعية وتطويفه والاهتمام بأموره. ثم بعد ازدياد دخول الأعاجم في الإسلام أصبح الكثيرون من أعيان وأهالي مكة - الذين يجيدون لغات الحجاج - هم من يقوم على خدمتهم، خاصة أن القرشيين قد شغلتهم التجارة ورحلات الشتاء والصيف، حيث أصبحوا وسطاء بين أقاليم البحر المتوسط في الشمال وسواحل آسيا الصغرى، بل سيطرتهم على طرق القوافل العربية وأخذهم الإتاوات كما جاء من كتاب «مكة ..الحج والطوافة»، للمؤلف فؤاد عبدالحميد عنقاوي ص61، ومنهم من أثرى ثراء فاحشا من ذلك!

بل إن من الطبقات التي كانت موجودة في مكة طبقة الجاليات من مختلف الأمصار (الرومية، الحبشية، المصرية، العراقية، اليمنية، الشامية.. ص60)، إذن فوجود هؤلاء رافق ظهور قريش وظهور الإسلام، وجذورهم ضاربة في عمق التاريخ، ولا يمكن وصفهم (بالمستوطنين) أو الدخلاء، حيث عملوا بالسقاية والرفادة، ولم يكن هناك ما يمنع ذلك دينيا وتاريخيا.

وأما (الحجابة) وهي: سدانة البيت وخدمته ومفتاح الكعبة، فقد أقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم لبني شيبة حينما فتح مكة؛ فحينما طلب علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أن تكون له الحجابة رفض الرسول، وقال «خذوها يا بني أبي طلحة بأمانة الله فاعملوا بها بالمعروف خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم».

وأما ما دون ذلك من خدمة الحجاج فهي للعالم بالدين واللغة، ثم تطورت حتى أصبح المطوف بالإضافة إلى ما سبق يقدم الطعام والزاد والراحلة، وتقدمت عبر التاريخ فأصبحت بشعار (خدمة الحاج: شرف ومسؤولية وأمانة).

إذن فالله سبحانه وتعالى هو من يختار من خلقه من يخدم ضيفه ويسخرهم لهذا الشرف العظيم. وفي مكة الأرزاق لا تعد ولا تحصى سواء أثناء الحج أو فترة العمرة التي أصبحت تمتد طوال العام - وحسب خطة التحول الوطني سيصل عدد المعتمرين إلى 15 مليون معتمر سنويا، وكل ذلك يبشر باقتصاد متنوع ومزدهر، يستطيع معه من يرغب في بناء شركات عالمية للعمرة والسياحة وغيرها فعل ذلك، وستدر أرباحا طائلة.

ما نريده هو تجريم هؤلاء وفقا لما أقره مجلس الشورى وتنفذه هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات بإنزال أقصى العقوبات على كل من يمس أمننا الوطني ووحدته بسوء.

Fatinhussain@


أضف تعليقاً