الرأي
الثلاثاء 17 جمادى الآخرة 1439 - 06 مارس 2018
اعتراف قطر بعقدتها الانتقامية!

وما خفي أعظم، فيلم وثائقي بثت جزأه الأول قناة الجزيرة القطرية قبل أيام. والفيلم يأتي في سياق شعور النظام القطري بقناعة الجماهير العربية بموقف دول المقاطعة العربية لقطر، وارتفاع وعيها القائد لانصرافها عن متابعة قناة (الفتنة) التي أشعلت حرائق في جل الأوطان العربية، وما تزال سادرة في غيها واستغباء المشاهدين، رغم انكشاف أمرها، ووعي المشاهد العربي بما سببته في أوطاننا العربية من دمار وخراب وتشرذم وعداءات.

الناظر إلى سياق الفيلم الوثائقي، بعيدا عن مضامينه، يدرك عميقا أنه جاء في مصلحة دول المقاطعة الأربع، فقد ركز الفيلم على (السعودية/ الإمارات/ البحرين/ مصر)، وهي الدول التي أعلنت (صراحة) ثلاثة عشر شرطا أمام النظام القطري لضمان عودته (الصادقة) إلى الحاضنة العربية.

الفيلم جاء اعترافا من قطر بمضيها في الانتقام من كل الدول التي تعاطفت مع والده (المخلوع)، خاصة الدول التي أوردها التقرير، وهي الدول التي تقاطع قطر حاليا، فما الاعتراف الضمني في فيلم الجزيرة؟

الرباعية العربية تشتكي من سياسات النظام القطري لزعزعة أمنها واستقرارها، ودعم التنظيمات الإرهابية، والتدخل المستمر في شؤونها الداخلية سياسيا وإعلاميا واستخباراتيا، وهذا ما نفاه النظام القطري، لكنه اليوم يعترف من خلال الفيلم الوثائقي أن كل ما قام به خلال عشرين سنة جاء في سياق الرد على المحاولة الفاشلة لاسترداد (خليفة بن حمد) الحاكم القطري الشرعي المنقلب عليه حكم بلاده المسلوب، وهي المحاولة التي سماها المنقلب ابنه (حمد) (انقلابا) زورا وبهتانا، ويدعي أن للدول الأربع علاقة بمنفذيها، معترفا في ذات اللحظة أن (والده) وبعض أفراد أسرته الحاكمة هم المنظمون والمدبرون للعملية، ومعترفا أن الدعم والمساندة (المدعاة) جاءت استجابة لتحركات ورجاءات (الأب المخلوع وأعوانه)، فقد فتح قادة دول الخليج الأبواب للجوء الأب الذي عرفوه حاكما شرعيا لقطر، بعد انقلاب ابنه عليه وطرده.

الفيلم الذي باهت بتقديمه قناة الجزيرة، ساقته منقوصا؛ لأنه يمثل وجهة نظر المنقلب على أبيه، ولم تعد فعله انقلابا، ولم تسم محاولة والده المكلوم محاولة لاسترداد الشرعية المسلوبة، بل ظلت تسميه انقلابا وتوزع التهم جزافا على دول المقاطعة الأربع، كل ذلك من أجل تبرير أفعالها طيلة عشرين عاما، ولكن السحر انقلب على الساحر، ولنفكر معا: هل نسمي استنجاد عبدربه هادي منصور بأشقائه لاستعادة الشرعية في اليمن انقلابا؟

بهذا الفيلم الاعترافي، يزداد وعي الرأي العام العربي بأن كل شكاوى دول المقاطعة الأربع ضد النظام القطري حقيقية، ذلك أن الانتقام كان سيد الموقف، وهو المحرك الرئيس للسياسات القطرية منذ استقبال الأشقاء لأبيه الحاكم الشرعي المطرود، فقد أمل حمد أن يستقبله قادة الخليج زعيما بدلا عن والده بمجرد أن يعلن للشعب القطري أنه استلم مقاليد الأمر في قطر، وحين رأى تعاطف القادة مع أبيه جن جنونه، ومع أن قادة المجلس تجاوزوا الأمر وقبلوا حمد بن خليفة، وتعاملوا معه، لكنه ظل مسكونا بالفكر الانتقامي، فأنشأ قناة الجزيرة ووجهها ضد الدول الأربع، وعمل جاهدا على التدخل في شؤون هذه الدول، واستقطاب كافة المنشقين والهاربين عن أوطانهم منها ومن غيرها، والتعاطي مع التنظيمات الإرهابية، ودعمها بالمال والمأوى والإعلام ضد هذه الدول.

لو وجه حمد بن خليفة طاقات بلاده باتجاه إيجابي، وتخلص من عقدة الانتقام لرأينا قطر دولة مختلفة إنسانا ومكانا، تنافس جاراتها الخليجية منافسة شريفة، ولتخلص من عقد تكرار ما يجري في السعودية والإمارات لمنافستها في إطار الفكر (الانتقامي) المشين، وما يزال الوقت مواتيا رغم كل ما حدث لأن يتخلص ابنه تميم من أسر هذه العقدة، ويعود (صادقا) إلى الحاضنة الخليجية والعربية، ويبني قطر كما يليق بالشعب القطري الشقيق.

ahmad_helali@


أضف تعليقاً