مكة - مكة المكرمة

الأخبار الكاذبة

«الإسلام نهى أتباعه أن يطلقوا الكلام على عواهنه ويلغوا عقولهم عند كل شائعة، وتفكيرهم عند كل ذائعة، أو ينساقوا وراء كل ناعق، ويصدقوا قول كل دعي مارق، فجاء الزجر الشديد، والوعيد القاطع الأكيد، في السنة والكتاب بسوء المصير والمآب، لكل مشاء بالبهت مفتر كذاب.

السيرة العطرة لرسول الهدى أنموذج يحمل في طياته نماذج حية لتاريخ الشائعة والموقف السليم منها، فقد رميت دعوته المباركة بالشائعات منذ بزوغها؛ فرمي بالسحر والجنون، والكذب والكهانة، وافتن الكفار والمنافقون الذين مردوا على النفاق في صنع الأراجيف الكاذبة والاتهامات الباطلة ضد دعوته، ولعل من أشهرها حادثة الإفك الشهيرة ؛ تلك الحادثة التي كشفت عن شناعة الشائعات وهي تتناول بيت النبوة الطاهر، وتتعرض لعرض أكرم الخلق على الله، وعرض الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها وعن أبيها، والتي نزلت براءتها من فوق سبع سماوات.

كيف بأناس ديدنهم التشويش ومطيتهم التحريش، وسجيتهم الإثارة والتهويش، قاموسهم سوء الظن، ومعاجمهم الأذى والمن، يبادرون بالاتهام، ويستعجلون بالجفاء والاصطلام، يكثرون الوقيعة والعتاب، ولا يتورعون عن الشتائم والسباب، ويطعنون في الخواصر، ويصوبون سهامهم تلقاء القفا، إذا رأوك في نعمة حسدوك وإن تواريت عنهم اغتابوك: ﴿أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله﴾ يعملون ليل نهار على الحط من الأقدار، والنيل من الكفاءات، وتشويه صورة البرآء، الأخيار النزهاء، يتحركون كالخفافيش في الظلام، ويعملون خلف الكواليس، ليس لأحدهم اسم منصوص، أو وجه كباقي الشخوص، بل يتنكرون كاللصوص وراء أسماء مستعارة، وشعارات براقة، وهي في حقيقتها غدارة ختارة، ﴿حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق﴾، وما درى هؤلاء أنهم ينشرون فضائل محسوديهم ويرفعون ذكرهم».

عبدالرحمن السديس ـ الحرم المكي

الحياء


«إن أحب الخلق إلى الله من اتصف بالصفات التي يحبها ومن تعبد لله بصفاته قرب من رحمته ومن أحصى أسماءه أنزله في جنته، ومن أسماء الله الحيي ومن صفاته الحياء، ورأس مكارم الأخلاق في الخلق وأجلها وأعظمها قدرا وأكثرها نفعا (الحياء، وهو خلق يبعث على ترك القبائح ويمنع من التفريط في حق صاحب الحق مبعثه ومادته من الحياة وعلى حسب حياة القلب يكون الحياء فيه وكلما كان القلب أحيى كان الحياء فيه أتم وأقوى).

الحياء من أعظم الخير فيه تعويد النفس على الخصال الحميدة ومجانبة الخلال الذميمة وإذا اشتد حياء المرء صان عرضه ودفن مساويه ونشر محاسنه، ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول واعتقاد وعمل والحياء شعبة منه، ومن أكبر ما يعول بين المرء وركوب المعاصي الحياء والمستحي ينقطع بالحياء عن المعاصي كما ينقطع بالإيمان عنها فإذا سلب من العبد الحياء لم يبق له ما يمنعه من ارتكاب القبح والأخلاق الدنيئة فصار كأنه لا إيمان له.

الحياء يتحقق منه سبحانه بمطالعة مننه وعظيم نعمه مع استحضار عيب النفس وتقصيرها وأنه مطلع على السر وأخفى، ومع الإنسان ملائكة لا تفارقه ومن إكرامهم الحياء منهم، والحياء من الناس باعث على الفضائل، ولو أن المسلم لم يصب من أخيه إلا أن حياءه منه يمنعه المعاصي لكفاه، وهو خير عون لصاحبه على الحياء من الله، ومن لا يستحي من الناس لا يستحي من الله، ومن جالس أهل الحياء تجدد حياؤه وأولى من يكرم المرء نفسه ومن عمل في السر عملا يستحي منه في العلانية فلا قدر لنفسه عنده، ومن استحيا من الناس ولم يستحي من نفسه فنفسه أهون عنده من غيره ومن استحيا منهما ولم يستحي من الله فما عرف ربه ومن كساه الحياء ثوبه لم ير الناس عيبه».

عبدالمحسن القاسم ـ الحرم النبوي