الرأي
الأربعاء 27 جمادى الأولى 1439 - 14 فبراير 2018
صائدو العقول.. من يصطادهم؟

تستحضرني كثيرا - مع فارق التشبيه في المناسبة والموقف - المقولة الشهيرة للحجاج بن يوسف «إني أرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها»، وأقارن بينها وبين واقعنا الحالي في المنظمات ووجود العديد من الكوادر الشابة والعقول النيرة من أبناء الوطن في مجتمعنا، وأجدني أرددها ولكن بطريقتي الإيجابية ونظرتي المستقبلية المتفائلة نحو شبابنا الطموح الذي أعول عليه كل الخير من حيث العلم والعمل والخبرات والإمكانات، وأقول لهم «إني أرى عقولا قد أبدعت وحان اصطيادها»؛ فهنالك العديد من الكفاءات والقدرات منذ بداية افتتاح برامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث، وتخريج كثير من الدارسين في الجامعات العالمية الكبرى وحصولهم على الشهادات في التخصصات المتنوعة المطلوبة، وتشهد لهم بذلك براءات الاختراع والخبرات المعرفية العريضة المكتسبة من محاكاتهم العلمية والعملية والثقافية لبيئات الأعمال التي تعلموا منها، والأشخاص الذين عملوا معهم، فأحدثت لديهم ما يسمى بالتوأمة المعرفية، وهو الخليط العلمي والعملي المتوج بالخبرة التي تكونت لديهم.

يوجد في فلسفة رأس المال البشري ما يسمى بـ Head Hunters «صائدو العقول»، حيث يفيد بوجود أشخاص في المنظمات يقومون بالبحث والتحري عن الموهوبين وذوي الخبرات، ومهمتهم الرئيسة هي التنقيب عن العقول غير العادية ممن يفكرون خارج الصندوق، ويبدعون بطريقة خاصة لإيجاد الحلول وتحسين بيئات الأعمال التي ينتمون إليها، ويحملون معرفة ضمنية كامنة انتقلت إليهم عن طريق الدراسة أو العمل مع من هم أخبر منهم، ولا يصرحون بها إلى أن يأتي صائد العقول ليكتشف ما لديهم من ميزة فريدة ليقوم بجذبهم وإغرائهم بكل أنواع المثيرات المادية والوظيفية والبيئية للمنظمة الجديدة، بغرض استقطابهم للعمل وإفادة المنظمة بخبراتهم.

وتفطن بعض الشركات الناجحة في إدارة رأس المال البشري أو الموارد البشرية لتجهيز أشخاص يمتلكون القدرة العالية والحس العميق في اصطياد أصحاب العقول والخبرات لتحويل الأفكار غير الملموسة إلى منتجات محسوسة يتم ترويجها وبيعها في الأسواق، وهذا ما يسمى بالاقتصاد القائم على المعرفة.

ومن وجهة نظري الشخصية أرى أن عملية جذب العقول تحتاج إلى معايير احترافية حتى تؤتي ثمارها، فصائد العقول يحتاج إلى معرفة واحتراف كافيين في تقنيات وأدوات التنقيب عن الكنوز الخفية، وأن يمتلك كاريزما خاصة تؤهله لذلك.

وأول هذه المعايير الإلمام بدراسة علم النفس والسلوك الإنساني والتنظيمي، وأن يمتلك مهارة التفاوض والذكاء الاجتماعي العالي، ولديه قنوات تواصل شخصية تسهل عليه الوصول للمبدعين، ويتطلب ذلك أيضا معايير معينة تميز صاحب العقل الإبداعي وهي لا تختلف كثيرا عن سمات صائدي العقول، ولكن مع إضافة سمة وهي التوقد الإبداعي، بمعنى أن لديه عمليات معرفية زائدة مثل الانتباه والإدراك والفهم والذكاء، ناهيك عما إذا اجتمعت معه مجموعة من أصحاب هذه العقول فسيحدث ما يسمى بالانفجار الإبداعي.

ما أجده أننا نمتلك عناصر مبدعة وعقولا متفتحة ينعم بها وطننا من الشباب والشابات، وأيضا من ذوي الخبرات في المنظمات، فلماذا لا يجتمع هؤلاء المبدعون من جميع التخصصات الإدارية والتقنية والمالية والطبية والتعليمية والتربوية وفي كل المجالات لعمل تجمع وطني واحد يضم اتحاد مبدعي المملكة كل في مجاله وتخصصه، ويتم عمل قاعدة بيانات عريضة تحت مظلة جهة حكومية عليا تتبناه مثل مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية برئاسة ولي العهد صاحب السمو الملكي محمد بن سلمان، على أن يراعى فيه تشكيل بنك معرفي وطني للاستثمار في العقول وتحقيق أقصى استفادة من أعضائه المبدعين، وتدريبهم على كيفية تحقيق الاستدامة الوطنية وتحويل هذه الخبرات إلى الشركات الخاصة والعامة وشبه العامة لسد فجوة الاحتياج والعجز، وأيضا تنويع الاقتصاد القائم على المعرفة، لندفع قدما عجلة التحول الوطني لجيل قادم جديد، ونصل بإذن الله تعالى إلى تحقيق رؤية المملكة 2030.

Yos123Omar@


أضف تعليقاً