الرأي
الثلاثاء 27 جمادى الأولى 1439 - 13 فبراير 2018
هنا الحراج!

من الأخبار المشجعة على «الانخراط» في العمل الإعلامي ما يتم تداوله عن حالتين لإعلاميين قديرين. أحدهما انتهى به المطاف ببيع الذرة في كورنيش جدة، والآخر يبحث عن رزقه متجولا في حراج بن قاسم في الرياض، أحدهما كان صحفيا والآخر مذيعا، وهذه مصادفة أثبتت أنه لا فرق بين نوعية العمل الإعلامي الذي تمارسه، فالخاتمة غالبا متشابهة. لست حزينا على شخصيهما لأني أظنهما يجنيان أموالا أكثر من تلك التي كانا يحصلان عليها وهما على رأس عمليهما الإعلاميين. والفكرة ليست في نوعية العمل المحترم الذي التحقا به بعد أن فرغ منهما الإعلام، ولكنها في النظرة العامة للمجالات الإبداعية التي تجعل مذيعا رائعا يؤمن بأن العمل في الحراج أفضل من ممارسة عمله حتى في إذاعة خاصة، بما أن الحكومية اعتبرته مجرد موظف يجب أن يتقاعد مثله مثل موظف الأرشيف في ذات الإذاعة، أو موظف سجلات الصادر والوارد، مع شديد الاحترام لموظفي الأرشيف والصادر والوارد بحكم أنهم زملاء مهنة، فقد سبق أن مارست هذين العملين سنين عددا.

وفي حالة الأستاذ القدير محمد الرشيد، أظن أنه لم يحاول ولم تراوده فكرة العودة للعمل الإذاعي بأي طريقة. وأتمنى أن تصدق ظنوني لأن الأمر سيكون محبطا بعض الشيء إن كان قد حاول ولم يستطع.

صحيح أن يد العون والمساعدة قد امتدت إليهما بعد أن نشرت صورهما في وظيفتيهما الجديدتين، وهذا شيء جميل لكنهما يعلمان ويعلم من ساعدهما ويعلم الخلق جميعا أن هذه المساعدة كانت لتجنب الحرج بعد أن وصل الأمر لوسائل التواصل الاجتماعي وليس للإيمان بضرورة مساعدتهما. وأنه لولا وجود تويتر لما تحرك أحد حتى للسؤال عنهما.

وبعيدا ـ ليس كثيرا ـ عن موضوع الإعلاميين القديرين، فإن العمل الإعلامي لا يصلح أن يكون مهنة في وضع مثل وضعنا، لا بد أن يكون للإعلامي مصدر دخل آخر ثابت ومحترم، لأن إيقافه «أسهل من الكذبة على شفة طفل»، بل إن مجرد الإيقاف يعتبر في أحيان امتيازا يحصل عليه البعض مقارنة بعقوبات أخرى نسأل الله السلامة.

وبالطبع فإن لكل قاعدة استثناءات، ويمكن أن يكون الإعلام بابا من أبواب الثراء الفاحش، وهذا فتح لا يناله إلا الذين لا يحبون العمل الإعلامي لذاته، ولكنهم يحبونه لأنه «وسيلة» وجسر يصلون من خلاله إلى الأشياء التي يحبونها لذاتها. وهؤلاء حين يعبرون هذا الجسر فإنهم لا يجدون حرجا حتى في بيع أنفسهم، ربما لأنهم مقتنعون أن ثمنها أكثر فائدة من ثمن بيع الذرة أو الأثاث المستخدم.

وعلى أي حال..

لا أتحدث عن الإعلام والإعلاميين بصفتي واحدا منهم لأني لست كذلك، أنا مجرد إنسان دخل السوق ليبيع نفسه ولكنه لم يجد المشتري، وما زال يأمل بأن وضع السوق سيتحسن قبل أن تنتهي صلاحية البضاعة.

@agrni


أضف تعليقاً