الرأي
الاثنين 26 جمادى الأولى 1439 - 12 فبراير 2018
المحذرون الجدد!

أيها الناس، إني أحذركم ونفسي من الذين يحذرونكم من كل شيء، وأعني المحذراتية الجدد الذين يجوبون وسائل التواصل يحذرون وينصحون بالشيء وعكسه، وفي الغالب الأعم فإن هؤلاء يمارسون التحذير والتخويف كهواية. ولا أظنهم يريدون أن يكف الناس عن الأشياء التي يحذرونهم منها.

ولو افترضنا جدلا أن شخصا ما قرر فجأة أنه سيستمع إليهم ويأخذ تحذيراتهم على محمل الجد فإنه لن يأكل ولن يشرب حتى يفارق الحياة. فكل أنواع الأكل خطيرة وتسبب الأمراض، وتودي بآكلها إلى المهالك، وكل شراب يتناوله الإنسان هو خطوة أخرى نحو المقبرة.

وكل الأخوة والأخوات المحذراتية والمحذراتيات لديهم أقارب قد جربوا هذه الطريقة أو تلك، فماتوا بسبب هذا الطعام أو شفوا من كل الأمراض وأعراضها بسبب الامتناع عن تناول طعام آخر.

وهناك فئة أخرى من هؤلاء لا يهتمون بالطعام والشراب، وتحذيراتهم منصبة على الشأن الاقتصادي أو السياسي، وكلهم لديهم معارف تعرضوا لتجارب لم يسمع بها أحد من قبل، وكلهم لديهم مصادر تنبئهم بالخبر اليقين.

وهذه أيضا هواية يمارسها كثيرون يجدون متعة في اختلاق القصص وترويجها.

والغريب أن أغلب الناس لا يثقون في مثل هذه المقاطع والأخبار ولكنهم لا يجدون حرجا في تمريرها لآخرين، حتى «تطوف الكذبة كل العالم قبل أن تنتعل الحقيقة حذاءها».

والموضة هذه الأيام هي ربط كل شيء بهيئة الترفيه، فكل الحوادث والمصائب والقلاقل والزنا والزلازل والمحن سببها هيئة الترفيه. وأنا هنا أحتفظ برأيي في هيئة الترفيه لكني أتحدث عن الربط الذي لا أفهمه، كالترويج لفكرة أن الله سبحانه لا ينزل الغيث إلا على عباده الصالحين. وهي فكرة غاية في اليأس من رحمة الله وكرمه، ولو أن الله يوزع رحمته على «الناس» حسب عباداتهم لهلك الناس أجمعين.

وعينة أخرى لا تكف عن تخويف الناس ونشر شائعات تتحدث عن رسوم وضرائب وغرامات قادمة، ومع أني أمقت هذه العينة من المحذراتية إلا أني أصدق إشاعاتهم في الغالب.

وقد قلت سابقا ـ وأنا حكيم كما تعلمون ـ إن هؤلاء في عالم الإشاعات يعتبرون السادة الذين لا أحد يعرفهم ولا يصل إليهم، أما طبقة «الحمير» في هذا العالم العجيب فهم أولئك الذين يعيدون نشر الإشاعات بعد أن ينساها الناس، وهم طبقة ليس لديها الحس الإبداعي والابتكاري الذي تتميز به طبقة السادة، هم فقط يعيدون تدوير إشاعات قديمة دون أي لمسات إبداعية، وهؤلاء تجدهم غالبا في مجموعات «الواتساب».

وعلى أي حال..

الحياة أبسط من هذه التعقيدات بكثير، والكائنات الحية جميعها مصيرها الزوال والفناء يوما ما، وما هو مقدر له أن يحدث سيحدث، سواء كنت خائفا من حدوثه أم لم تفعل، فلا تخافوا ولا تقنطوا وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ولا تستمعوا لنصائح أحد، بما في ذلك نصائحي وتحذيراتي هذه.

@agrni


أضف تعليقاً