الرأي
الأحد 10 جمادى الأولى 1439 - 28 يناير 2018
السعودية بين البطء والتسارع!

تحدث وزير الخارجية الأستاذ عادل الجبير حول جدلية (البطء والتسارع) في حركة السعودية، فقد كان الكثيرون ينتقدون بطء السعودية، وحين تسارعت حركتها داخليا وخارجيا انتقدها آخرون (أيضا)، وهذا يذكرنا بمقولة (رضا الناس غاية لا تدرك)، فكل من ناقدي (البطء) وناقدي (التسارع) تحركهم مصالحهم ورؤيتهم التي يشوبها النقص في الحالتين، وبينهما نجد ناقدا للبطء وفي ذات الوقت ينقد التسارع، وهذا (لا طب له)؛ لأنه وقف نفسه (للنقد) ليس إلا، وعلى كل حال هذه المقالة لا تتحدث عمن تحركهم أيديولوجيات معروفة؛ فهؤلاء لن يرضوا عن السعودية حتى لو انشق القمر وظهر بين فلقتيه (السعودية تعمل صالحا). ينسى من يتحدث عن السعودية أنه يتحدث عن بلد ليس عاديا أبدا، فالسعودية تشبه السفينة العملاقة المحملة ذهبا، في محيط عاصف متلاطم، تهدر أمواجه، ويزخر بالقراصنة من كل اتجاه، ولو ألقى هؤلاء نظرة بسيطة على تاريخ المنطقة لكفتهم، فتأملوا المنطقة عاصفة منذ 1980 حرب العراق وإيران، والإرهاب الإيراني في الحج، والحرب الأهلية في لبنان، مرورا بحرب الخليج الثانية واحتلال الكويت، ونشوء تنظيم القاعدة، والحالة اليمنية المضطربة، والقضية الفلسطينية وحروب إسرائيل على غزة وجنوب لبنان واعتداءاتها على المسجد الأقصى، والحالة الأفغانية، والشيشانية، وحرب صربيا على البوسنة والهرسك، وتبعات اعتداءات 11 سبتمبر واحتلال العراق، وليس انتهاء بما سمي (الربيع العربي) وحالة الفوضى الممتدة في المنطقة العربية، وانهيار سوريا وليبيا واليمن والعراق، وانشغال مصر بحالتها الداخلية، وتطاول القوميات الأخرى على القومية العربية، وتمكن داعش من سوريا والعراق، وما يحوكه الإخوان من مؤامرات مع قوميات أخرى تبحث عن موطئ قدم في المنطقة، ناهيك عن حرب الإرهاب الشعواء التي اكتوت السعودية بنارها طويلا حتى استطاعت القضاء عليها.

ينسى المتحدث عن تسارع السعودية اليوم كل ما سبق؛ لأنه لا يرى إلا السعودية فقط، ولو دقق النظر لرأى الأمة العربية والإسلامية كلها في شخص السعودية، فقد جندت كل طاقاتها (السياسية والاقتصادية والعسكرية) لخدمة قضايا الأمة، فهي تدعم اقتصاديا جل البلدان العربية، فقد فتحت أبوابها لأبناء العرب العاطلين، وفتحت أسواقها لمنتجات العرب، وتوجه استثماراتها ومستثمريها إلى البلدان العربية، وفوق ذلك دعمت قضايا اقتصادية لبعض البلدان مع المجتمع الدولي كالسودان حين استطاعت رفع الحظر الاقتصادي عنه، ولبنان حين أعادت إعماره بعد حرب إسرائيل عليه وتدمير منشآته، ثم دعم جيشه بثلاثة مليارات دولار، ودعم الاقتصاد الأردني، والدعم اللا محدود لمصر، وفتح أبوابها للاجئين السوريين واستثنائهم في الكثير من الأنظمة الداخلية وعلى رأسها التعليم، واحتضانها للجاليات العربية والإسلامية التي يضطهد أبناؤها كحالة الروهينجا، أو المضطربة أمنيا كالحالتين اليمنية والصومالية، وذكر مواقفها في هذا الشأن يطول سرده ولا تتسع له هذه المقالة. أما على الصعيدين العسكري والسياسي، فانظروا كيف جندت كل قواها لتحرير اليمن من قوميات اعتدت على هويته العربية، وكيف أنقذت البحرين من المد الفارسي، وكيف ساهمت في تحرير العراق من داعش، وكيف تساعد قطر للخروج من أخطائها الفظيعة بمقاطعتها حتى تثوب إلى رشدها أو يتحرك عقلاؤها، ناهيك عن البلدان التي تساندها لاستعادة عافيتها بعد الفوضى الرهيبة التي اجتاحتها كالعراق ومصر وليبيا، غير دعمها غير المعلن لكثير من البلدان العربية والإسلامية، ورسوخ موقفها السياسي والاجتماعي من القضية الفلسطينية. أما الحديث عن دعمها الإنساني، الدائم والعاجل والاستثنائي، وإنشاء مركز الملك سلمان للعمل الإنساني، فيفوق الحصر والوصف، وكل هذا وسابقه لا تراه السعودية إلا واجبا قوميا لا يتبعه من ولا أذى، لكن قصور الفهم للدور السعودي في المنطقة يظل مفرزا للأحكام المتسرعة واللا عقلانية تجاه المملكة؛ لأن مطلقي الأحكام ينظرون إلى السعودية بمعزل عن الهم العربي والإسلامي والإنساني، وينظرون إليها كذلك بمنظور أحادية مصالحهم الخاصة أو مصالح بلدانهم، وليس الأعمى كالبصير. السعودية اليوم تتسارع لأنها تتحرك في اتجاهات عدة خارجيا، ويشعر الجميع بسرعتها لأنها تتحرك في أغلب الشؤون بمفردها، فلم يعد مجلس التعاون الخليجي كما كان، والجامعة العربية غائبة، والدول العربية ذات الثقل السياسي المعروف مأزومة، ومشغولة بأوضاعها الداخلية الرهيبة. أما على المستوى الداخلي فالمرحلة تتطلب أن تحدث السعودية نفسها، وهذا ليس جديدا، فمنذ انطلاق برنامج الابتعاث في عهد الملك عبدالله ـ يرحمه الله ـ والسعودية تسعى في هذا الاتجاه (علميا واجتماعيا وثقافيا واقتصاديا وتقينا)، وقراراتها اليوم ليست بمعزل عن تخطيط الأمس، وما رؤية 2030 الطموحة إلا إطار استراتيجي وجدول زمني مطور لهذا التحديث المتنامي المتزن الواعي الذي يضع نصب عينيه ثوابتنا الوطنية والدينية، وأهمية دور المملكة في استقرار المنطقة، ودعمها لقضايا الأمتين العربية والإسلامية، ودورها عالميا كبلد حضاري منتج وفاعل، وراع للأمن والسلام الدوليين.

ahmad_helali@


أضف تعليقاً