الرأي
الجمعة 8 جمادى الأولى 1439 - 26 يناير 2018
خيار الاستثمار الاستراتيجي

كدول نامية، توطين التقنيات سيظل أحد الأهداف الاقتصادية المهمة للريادة العالمية، وأمامنا خياران لتحقيق ذلك: إما الاستثمار في الأبحاث والتطوير محليا لبنائها من الصفر والانتظار حتى تتحول إلى منتجات، ومن ثم أسواق ناشئة (وهي مرحلة تتطلب عقودا لتتم)، أو الاستحواذ على التقنيات الموجودة عن طريق شراء رؤوس أموال الشركات التي تملكها بنسب تخولنا حق التصرف فيها.

تتقدم الصين في هدفها الاقتصادي لريادة العالم في مجال التكنولوجيا سريعا، وذلك من خلال سياساتها التي توجه المستثمرين الصينيين للاستحواذ على الشركات التقنية الأوروبية والتي تعد أسهل وصولا من نظيراتها الأمريكية. وتركزت الاستثمارات الصينية في الصناعات المتعلقة بالطاقة والخدمات، أما التبادل التجاري بين الصين وأوروبا فشمل قطاعات السيارات، والنقل والأنشطة المرتبطة بالمكائن.

التعاون الصيني الأوروبي أوجدته فرص التكامل المتوفرة بين المنطقتين من ناحيتين، الأولى: حاجة أوروبا لرؤوس الأموال لتمويل أنشطة التطوير وخلق الوظائف الجديدة، والثانية حاجة الشركات الصينية للتقنيات المتقدمة والعقول (حيث تتفوق أوروبا في التعليم ومراكز البحوث وأوعية المعلومات). السباق الحامي بين الشركات الصينية لامتلاك التقنيات المتقدمة الأوروبية قد يعود سببه إلى التنافس المحلي بينهم. إن تقدم المنافسة في الصناعة المحلية عامل يدفع الشركات الوطنية إلى ضخ الاستثمارات إلى الخارج بحثا عن المزايا التنافسية والتي عادة ما تكون في صورة تكاليف مخفضة أو تقنيات متقدمة. ونظريا، بوصول الصناعة المحلية لهذه المرحلة يتحول تصنيف الدولة من نامية إلى متقدمة، ولكن إذا تقدمت الصناعة ولم يزامنها تقدم في النظام التجاري والقضائي والبحث والتعليم المحليين قد لا يعد ذلك كافيا.

هذا التعاون لا يعني أنه سيقود الطرفين (الصيني والأوروبي) إلى نتائج محلية مثلى. ستكون هناك تضحيات من ورائه. ففي مقابل توطين رؤوس الأموال الصينية في أوروبا، ومشاركة الصينيين التقنيات المتقدمة المحلية، تصنع أوروبا لنفسها منافسا قويا من خارج أسواقها وحلفائها وتفقد جزءا من أمن المعلومات وبذلك تتراجع قياديتها العالمية التي قامت على تلك الصناعات. وفي المقابل يواجه المستثمرون الأوروبيون العديد من المخاطر والبيروقراطية عند دخول منتجاتهم أو استثماراتهم السوق الصيني الذي يعد أحد أسرع الأسواق العالمية نموا وجذبا للاستثمار برغم تأخره نظاميا وقضائيا.

أما من ناحية المستثمر الصيني، فاستثماراته ستظل رهن تغيرات الزمن الناشئة عن الضغوط الاجتماعية التي تواجهها الحكومات الأوروبية لتقييد الهجرة. على سبيل المثال، خروج بريطانيا من التحالف الأوروبي يجعلها أقل جاذبية بالنسبة للمستثمر الصيني لوجود ذلك الضغط الجماهيري لوضع المزيد من القيود على الأجانب.

من هذه السيناريوهات نصل لتصور مهم. لا شيء يعادل امتلاك كل شيء محليا من خلال استثمار استراتيجي يحقق نموا في جميع المدخلات: التعليم، والبحث، والصناعة، ورأس المال، والثقافة، والنظام. ولكن ستظل حاجتنا للتعاون الدولي مستمرة للتمركز والريادة عبر عدد من الصناعات المهمة كالطاقة والأسلحة والمعلومات والنقل.

hanan_almarhabi@


أضف تعليقاً