د ب أ - واشنطن

من أكثر العبارات فجاجة وقسوة في خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بمناسبة تنصيبه في 20 يناير 2017، تلك التي وصف فيها ما جاء في خطابه بأنه يمثل الواقع بالنسبة لكثير من المواطنين الأمريكيين.

وتحدث عن المصانع التي علاها الصدأ، والمنتشرة مثل شواهد القبور»، والمدارس التي تترك الصغار «محرومين من كل ألوان المعرفة»، و»انتشار الجريمة والعصابات والمخدرات»، وتعهد في خطابه بأن «تتوقف منذ هذه اللحظة المذبحة التي تتعرض لها أمريكا».

وعلى الرغم من أن ترمب الذي يحمل الرقم 45 في قائمة الرؤساء الأمريكيين دعا في فقرة قصيرة من خطابه المواطنين إلى الوحدة، فإن الرسالة التي وجهها في ذلك اليوم لم تكن عن المصالحة أو التمسك بالأمل، ذلك لأن فوزه لم يغير من طبيعة شخصيته التي يغلب عليها التصلب والعناد والتي ظهرت في حملته الانتخابية.

وقال في خطاب التنصيب «إننا مواطنو أمريكا نلتحق الآن بجهد وطني عظيم لإعادة بناء بلدنا، واستعادة الوعد الذي قطعته على نفسها لجميع مواطنينا».

ومع ذلك فإن العام الأول على رئاسة ترمب ساد فيه الانقسام بدرجة أكبر، فالسود ضد البيض، والمهاجرون ضد المواطنين، والأثرياء ضد الفقراء، واليسار ضد اليمين، والقوميون ضد مناصري العولمة، وحدث استقطاب عميق يبحر بعيدا عن تيار الوسط.

ويقول خبراء علم السياسة إن هذا الانقسام الحادث في أمريكا ليس وليد اليوم، لكنهم يتفقون على أن هذا الانقسام أصبح أكثر اتساعا منذ أن تولى الرئيس الشعبوي ترمب منصبه.

استطلاع للرأي العام أجراه مركز بيو للأبحاث

60% من الأمريكيين يعتقدون أن العلاقة بين مختلف المجموعات العرقية في أمريكا تدهورت مما يؤكد الانقسام على أسس عنصرية في هذه الدولة.

كما تحدث ترمب في خطابه عن المؤسسة التي تحكم أمريكا، ورغبته في إعادة السلطة للشعب.

وقال وقتذاك «لفترة طويلة جنت مجموعة صغيرة في عاصمة بلادنا جوائز الحكم، بينما تحمل المواطنون أعباء التكلفة، وسيتم تذكر 20 يناير 2017 باعتباره اليوم الذي استعاد فيه المواطنون السلطة».

أما الواقع فهو أنه لم يحدث من قبل مطلقا أن احتل مثل هذا العدد الكبير من ممثلي الشركات الكبرى هذه المكانة المقربة من الرئيس الأمريكي، ويخشى المنتقدون من أن يكون «وول ستريت» هو الذي استعاد السلطة وليس الشعب.

المؤسسة السياسية

وبينما حقق ترمب نجاحا في إطار تعهده بتمزيق أوصال «المؤسسة السياسية»، فإنه لم يكن يضع في حسبانه حدوث رد فعل مضاد من جانب الحزب الذي ينتمي إليه.

فقد شعر الجمهوريون بالإحباط إزاء سياساته وتصريحاته وتغريداته على تويتر في عدد من المناسبات، ويرى الكثيرون من أعضاء مجلس الشيوخ الذي يتمتع فيه الجمهوريون بأغلبية بسيطة أن ترمب شخصية تسبب الضرر.

بل إن البيت البيض نفسه لم يتم فيه تعيين أي مسؤول في منصب بارز ينتمي إلى الحزب الجمهوري، منذ رحيل المتحدث باسم البيت الأبيض شون سبايسر، ومنذ تعيين الجنرال السابق جون كيلي كبيرا لموظفي البيت الأبيض بدلا من رينس بريبوس.

وتم تعيين رجال مال وعسكريين سابقين في معظم المناصب الوزارية المهمة.

السياسة الخارجية

وفي مجال السياسة الخارجية اتخذ ترمب بعضا من أهم قراراته بشكل منفرد، فقد اتخذ قرارا بانسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس للمناخ، كما أغضب حلفاءه في الشرق الوسط بقراره بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.

جرح كبير

وتوصلت الباحثة في مركز بروكنجز للدراسات الاستراتيجية إلين كاماراك، إلى استنتاج مفاده أن العام الأول من رئاسته» ليس سوى جرح كبير أحدثه ترمب بنفسه».

وقالت إن ترمب لم ينفذ إلا نادرا أيا من وعوده، كما أثار عداء أعضاء مجلس الشيوخ الذين ينتمون إلى نفس حزبه، كما تسبب في قطيعة مع حلفائه.

وبعث بإشارة إلى حلفاء الولايات المتحدة ولكل شخص آخر في العالم في خطابه يوم التنصيب عندما قال «منذ هذا اليوم فصاعدا، ستكون فقط أمريكا أولا»، وأضاف أن الأمريكيين سيبنون بلدهم بالعمالة الأمريكية ويتبعون قاعدتين «شراء سلع أمريكية وتوظيف عمالة أمريكية».

وكنتيجة لهذه السياسة ألغيت اتفاقية للتجارة الحرة، التي كانت محل تفاوض مع الدول الواقعة على ساحل المحيط الهادي، وذلك في غضون أيام من تولي ترمب منصبه، كما أن اتفاقية التجارة الحرة لشمال أمريكا والتي تم التوصل إليها منذ 20 عاما، يتم حاليا إعادة التفاوض بشأنها وهي معرضة للانهيار.

وهذه هي الطريقة التي يقاتل من خلالها ترمب لصالح الأمريكيين بكل نفس في جسده، كما وعد أن يفعل في أول يوم من تنصيبه.

غير أنه قد يتعين على الأمريكيين أن يتذرعوا بالصبر انتظارا لأن يفي ترمب بتعهده الآخر، وهو أن «تبدأ أمريكا في الربح والفوز مرة أخرى، الفوز بشكل لم يحدث من قبل».