الرأي
السبت 26 ربيع الثاني 1439 - 13 يناير 2018
لست من ذوي الهمم العالية!

في متحف اللوفر - أبوظبي، يوجد مسار خاص؛ اسمه مسار خاص بـ «ذوي الهمم العالية»، والدخول في هذا المسار مجانا (فقط لذوي الهمم العالية ولمرافقيهم)، وكاد صاحبنا أن يدخل في نفس المسار، زاعما أنه من ذوي الهمم العالية، ففوجئ بشخص (شفاه الله) على كرسي متحرك يدخل فيه، فتراجع؛ ليفهم العبارة جيدا، بأنها خاصة بـ «المعاقين» أو «ذوي الاحتياجات الخاصة» عرف صاحبنا القصة، وقرر أن يشرحها لكم من بدايتها.

يقول: عندما كنت في السنوات العشر الأولى من عمري، كان الناس - محليا – يسمون من كان من ذوي الاحتياجات الخاصة «محرول»، وهي تعني أنه لا يستطيع المشي، والناس متأقلمة مع الكلمة، حتى صارت تقليلا من قيمة الشخص، فصار أحدهم يخاطب الآخر: أنت محرول ما تقدر؟!

عموما، تغيرت تلك الكلمة إلى «معاق»، وصارت كلمة «معاق» مقبولة في ذلك الوقت، لأنها اسم مصدر مشتق من الفعل المبني للمجهول «أعيق» أي إن هناك سببا للإعاقة، ولا تعود الإعاقة - في الأصل- لاختياره، فصار هذا الاسم مستساغا لدى الناس، بل وتعاطفوا معه، حتى ساءت سمعة الكلمة مع الزمن؛ لأن بعض الأصحاء يستخدمها لوصف إنسان صحيح بأنه «معاق»؛ كشتيمة. فتحولت الكلمة لـ«مسبة» لدرجة أن إحدى جمعيات مساعدة هذه الفئة كتبت «لا تقل كلمة معاق عن ذوي الاحتياجات الخاصة بل قل من ذوي الاحتياجات الخاصة»، وختمتها بعبارة «مع تحيات جمعية دعم المعاقين»!

لحظتها ولدت كلمة «ذوي الاحتياجات الخاصة» ككلمة ألطف هذه الأيام، حتى تداول الشباب الآن وصف أحد أصدقائهم ازدراء: (هذا من ذوي الاحتياجات الخاصة) رغم أنه صحيح الجسم والعقل، فظهرت عبارة أصحاب الهمم التي أشرنا إليها في أول المقال كنوع من تلطيف العبارة بعد أن ساءت سمعتها.

يقول صاحبنا أيضا: وأخاف أن يأتي زمان تكون إحدى الشتائم هي فلان مسكين فهو من ذوي الهمم، وينفي أحدهم الهمة عن نفسه ويقول أنا همتي «واطية»!

هذا الكلام ينطبق على العديد من الكلمات التي ساءت سمعتها، مثل كلمة «ترويج»، فقد تكون ترويجا للفضيلة أو الرذيلة، لكنها ارتبطت في أذهان الناس بترويج المخدرات، وكلمة «بياع» التي ارتبطت عاميا ببائع المخدرات أيضا، فصار صعبا استخدامها بأي استخدام آخر.

انتهى كلام صاحبي، خلاصة العبارة من قصة صاحبنا هذه هي أننا نحن من نسيء للمعاني والكلمات، ولا يمكن لكلمة أن تكون سيئة بذاتها، بل إننا نسيء للموصوف بسبب نظرة دونية له، ولو تغيرنا لتغيرت كلمات «محرول أو معاق أو ذوي الاحتياجات الخاصة أو ذوي الهمم العالية» لشيء جميل أو مقبول في حده الأدنى، المشكلة فينا وليست في الكلمات، وكلما أحسنا ظننا فيمن حولنا وتلطفنا في الكلام وقللنا من تنقص الآخرين وأنفسنا بالكلمات، تحسنت الكلمات في أفواهنا!

Halemalbaarrak@


أضف تعليقاً