«إذا كنت من قرائنا، وتؤمن برسالتنا، فكن من شركائنا، وادعمنا بمبلغ رمزي كي نستمر». كانت هذه الرسالة التي بثتها إحدى مؤسسات الصحافة الأسترالية العريقة التي تحمل اسما كبيرا ومعروفا. وقد كان نداء يغلب عليه الاستنجاد من الظروف التجارية الصعبة التي خلفها تراجع مبيعات الإعلانات حتى أصبحت غير قادرة على تأمين البقاء بدون مساعدة من الجمهور.

إننا نمر بمرحلة أحدثت لدينا تغييرا في مفاهيم الأعمال وجني الأموال، فلم يعد من السهل على مشاريع اليوم أن تبني السمعة المقبولة ما لم تتضمن رسالتها مجموعة من القيم النبيلة، وتؤكد بأنها تعمل لأجل الرقي بالإنسان والتنمية أولا وليس جني الأموال، بل قد يلزمها أن تؤكد بأن المال ليس هدفا رئيسيا لتشغيل أعمالها، ولكنه وسيلة لتحسين الأداء والبقاء لا أكثر.

برغم كل ما سبق، تجد البنوك السعودية تحلق عاليا في غمام الأرصدة الخيالية التي تحققها، ولا تلقي أي بال للسمعة المتدنية والصورة السيئة التي تطرأ على البال بمجرد رؤية إعلاناتها أو ذكر أسمائها، إنها كالمنشار «داخل ياكل وطالع ياكل»

كما وصفت على لسان الأمير مقرن بن عبدالعزيز.

والحال طبيعي طالما بقيت الكعكة تقسم على عدد يمكن أن تجمعه الأصابع، وفي بيئة تعد من بين الأكثر استقرارا عالميا من حيث القوة المالية، فلو، أقول لو (وأرجو ألا يهتز القلب الناعم، المتنعم، بسماع الآتي)، لو خصصت البنوك 5 % من المليارات التي تجنيها في عام واحد لتقديم تسهيلات للمشاريع الصغيرة والأسر المنتجة بلا شروط، في سبيل الإسهام الاجتماعي، فإن ذلك لن يزلزل مراكزها المالية ولن يؤثر سلبا على الإطلاق وهي تعمل في اقتصاد قوي، مستقر، يعوضها في السنة التالية كل ما أنفقت، في المقابل، حجم التنمية المجتمعية الذي سيتبع ذلك سيكون هائلا.

لا أعتقد أن هناك أمرا أصعب من إقناع البنوك لتمويل مشروع ناشئ، وسيكون التحدي مضاعفا إذا كان المشروع الصغير يتبنى قيما هدفها الأول الرقي بالإنسان وليس جني الأموال، فهذه لغة لا يفهمها المنشار من الأساس، بل ربما تقطع البنوك علاقاتها بشركائها الكبار إذا دارت بهم الأيام، وتحولت أعمالهم من مكائن جني الأموال إلى التنمية والإنسان، لكسب التعاطف والدعم للبقاء.

بإمكان البنوك استثمار بعض المال والجهد لابتكار طرق تمويل تقوم على مفاهيم الإسهام المجتمعي ذي العائد المتبادل، فتسهم وفي نفس الوقت تحصل على مردود مادي، لكن إن كان ذلك متعبا، فإن البديل هو تخصيص نسبة من الأرباح للإسهام التنموي لوطن ومواطن قد أخذت منهما أكثر مما أعطتهما بكثير.

@hanan_almarhabi