لم يخطر ببالي قط أنني سأعيش بما فيه الكفاية لأشهد اليوم الذي يتسنى لي فيه كتابة الجملة التالية: تشهد السعودية اليوم عملية الإصلاح الأكثر أهمية مقارنة بأي بقعة من بقاع الشرق الأوسط. نعم، فأنتم تقرؤون ما كتبته بشكل صحيح. وبالرغم من أني جئت للسعودية أثناء بداية فصل الشتاء فيها، إلا أني وجدت البلاد تمر بربيعها العربي، على النمط السعودي.

هذا ما كتبه الكاتب والصحفي الأمريكي توماس فريدمان في مقدمة حوار أجراه مع ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان، نشرته نيويورك تايمز أول من أمس، وتعيد «مكة» نشره، إذ يتابع فريدمان:

وعلى خلاف أي ربيع عربي في مختلف البلدان الأخرى – التي ظهرت جميعها من الطبقة الأدنى إلى الأعلى وفشلت بشكل فادح، ما عدا ذلك الذي حدث في تونس – يقود ولي عهد البلاد الأمير محمد بن سلمان البالغ من العمر 32 عاما حركة الربيع العربي هذه بدءا بعلية القوم ونزولا إلى من دونهم من الأعلى إلى الأدنى، وفي حال آتت ثمارها، فإنها لن تقلب موازين السعودية فحسب، بل إنها ستغير أيضا معنى ومفهوم الإسلام في جميع أرجاء العالم – والأحمق فقط هو من لا يقف في صف هذه الحركة.

ولكي أتمكن من فهم المسألة بشكل أفضل، توجهت مسافرا إلى الرياض لمقابلة ولي العهد الذي يعرف عادة بـ MBS ، والذي لم يتطرق أبدا للأحداث الاستثنائية التي حصلت هنا في مطلع نوفمبر، حينما قامت حكومته بإلقاء القبض على عشرات الأمراء ورجال الأعمال السعوديين بتهم تتعلق بالفساد، ومن ثم وضعهم في سجن فاخر مؤقت – فندق ريتز كارلتون – إلى حين أن يوافقوا على تسليم مكاسبهم غير المشروعة. وإنه لمن النادر جدا أن نشهد مثل هذا الحدث.

التقينا مساء في قصر عائلته ذي جدران الطوب في حي العوجا شمال الرياض. وكان «إم بي إس» يتحدث باللغة الإنجليزية، في حين تشارك أخاه الأمير خالد – سفير السعودية الجديد لدى الولايات المتحدة – وعددا من كبار الوزراء أطباقا مختلفة من لحم الضأن، وأضافوا للحديث رونقا خاصا. وبعد أن قضينا أربع ساعات سوية، استسلمت عند الساعة 1:15 صباحا لعنفوان شباب الأمير محمد بن سلمان – يذكر أن عمري ضعف عمره. ومع ذلك، فقد مر وقت طويل جدا منذ أن تكلم معي أي زعيم عربي بسيل عارم من الأفكار الكبيرة التي ترمي إلى إحداث نقلة في بلاده.

بدأنا بتوجيه السؤال الواضح، ألا وهو: ما الذي يحدث في «الريتز»؟ وهل كانت هذه هي لعبة السلطة الخاصة به، والتي يهدف من خلالها إلى إزالة منافسيه من أعضاء عائلته ومن القطاعات الخاصة قبل أن يمركز والده الملك سلمان، مقاليد السلطة في المملكة بين يدي الأمير محمد؟

قال «إنه لأمر مضحك» أن تقول بأن حملة مكافحة الفساد هذه كانت وسيلة لانتزاع السلطة. وأشار إلى أن الأعضاء البارزين من الأشخاص المحتجزين في ريتز كارلتون أعلنوا مسبقا بيعتهم له ودعمهم لإصلاحاته، وأن «الغالبية العظمى من أفراد العائلة الحاكمة» تقف في صفه. وأضاف «هذا ما حدث، فلطالما عانت دولتنا من الفساد منذ الثمانينات حتى يومنا هذا. وتقول تقديرات خبراءنا بأن نحو 10% من الإنفاق الحكومي كان تعرض للاختلاس أو الهدر منذ بداية الثمانينات بواسطة الفساد، من قبل كلتا الطبقتين: العليا والكادحة. وعلى مر السنين، كانت الحكومة شنت أكثر من «حرب على الفساد» ولكنها فشلت جميعا. لماذا؟ لأن جميع تلك الحملات بدأت عند الطبقة الكادحة صعودا إلى غيرها من الطبقات المرموقة.

ولذلك، فإنه عندما اعتلى والده – الذي لم يسبق وأن اشتبه به بتهم تتعلق بالفساد على مر العقود الخمسة التي كان فيها أميرا لمدينة الرياض – سدة العرش في 2015 (في الوقت الذي كانت فيه أسعار النفط منخفضة)، قام بقطع عهد على نفسه بوضع حد لهذا كله، وقال إم بي إس «رأى والدي أنه ليس من الممكن أن نبقى ضمن مجموعة العشرين في حين تنمو بلادنا بهذا المستوى من الفساد. ففي وقت سابق من عام 2015 كانت أول الأوامر التي أعطاها والدي لفريقه هي جمع كل البيانات المتعلقة بالفساد لدى الطبقة العليا. وظل الفريق يعمل لمدة عامين كاملين حتى توصلوا لجمع هذه المعلومات الأكثر دقة، ومن ثم جاؤوا بحوالي 200 اسم».

وعندما كانت جميع البيانات جاهزة، اتخذ النائب العام، سعود المعجب، الإجراءات اللازمة، وقال محمد بن سلمان موضحا إن كل من اشتبه به سواء كان من أصحاب المليارات أو أميرا قُبض عليه ووُضع أمام خيارين «أريناهم جميع الملفات التي بحوزتنا وبمجرد أن اطلعوا عليها، وافق ما نسبته 95% منهم على التسويات»، الأمر الذي يعني أن عليهم دفع مبالغ مادية أو وضع أسهم من شركاتهم في وزارة المالية السعودية.

وأضاف «استطاع ما نسبته 1% من المشتبه بهم إثبات براءتهم وقد تم إسقاط التهم الموجهة لهم في حينها. وقرابة 4% قالوا بأنهم لم يشاركوا في أعمال فساد ويطالب محاموهم باللجوء إلى المحكمة. ويعتبر النائب العام، بموجب القانون السعودي، مستقلا. فلا يمكننا التدخل في عمله، ولا أحد سوى الملك يستطيع إقصاءه، ولكنه هو من يقود العملية الآن... ولدينا خبراء من شأنهم ضمان عدم إفلاس أي شركة من جراء هذه العملية»، وذلك لتجنب إحداث أي عطالة.

وجهت سؤالا قلت فيه «كم من المال سيعيدون إليكم؟».

قال الأمير محمد بن سلمان إن النائب العالم يقول إنه من الممكن في نهاية المطاف «أن يكون المبلغ حوالي 100 مليار دولار أمريكي من مردود التسويات».

وأضاف أنه ليس هنالك من طريقة يمكن من خلالها القضاء على الفساد في جميع الطبقات، «لذلك فإنه عليك أن ترسل إشارة، والإشارة التي سيأخذها الجميع بجدية هي أنك (لن تنجو بفعلتك). ولقد شهدنا تأثيرها بالفعل وما زلنا نشهده»، وضرب مثالا على ما قاله أحدهم في مواقع التواصل الاجتماعي «اتصلت بوسيطي لإنهاء معاملاتي المعلقة بالحكومة، ولكنه لا يجيب على اتصالاتي». ولم تتم مقاضاة رجال الأعمال السعوديين الذين يدفعون الرشاوى لإنجاز مصالحهم الشرعية من قبل البيروقراطيين الذين قاموا بابتزازهم، وأوضح إم بي إس قائلا «أولئك (الذين تم القبض عليهم) هم من اجتثوا أموال الحكومة» – من خلال رفعهم للأسعار وحصولهم على الرشاوى.

والمخاطر التي تواجه الأمير محمد بن سلمان في حملة مكافحة الفساد هذه عالية جدا. فإذا ما أحس الشعب بأنه بالفعل يقوم بمكافحة الفساد الذي لطالما عطل النظام وأنه يقوم بذلك وفقا لطريقة تتسم بالشفافية من شأنها أن توضح للمستثمرين السعوديين والأجانب في المستقبل أن النظام سيسود على الكل، فإن الشعب سيضع الكثير من الثقة الجديدة في الحكومة. ولكن في حال انتهت العملية بشكل متعسف وباتت تهدف إلى جمع المزيد من القوى من أجل الاستحواذ على السلطة ولم تخضع لأي سيادة قانونية، فإنه سينتهي بها الأمر إلى زراعة المخاوف التي من شأنها أن تثير قلق المستثمرين السعوديين والأجانب بالطريقة التي لا يمكن للبلاد تحملها.

ولكن الشيء الوحيد الذي أنا متيقن منه هو أن: كل من تحدثت إليه من السعوديين دون استثناء على مدار الأيام الثلاثة التي قضيتها هنا أعرب عن دعمه المطلق لحملة مكافحة الفساد هذه. ومن الواضح أن الغالبية السعودية الصامتة سئمت من جور العديد من الأمراء وأصحاب المليارات الذين سرقوا أموال دولتهم. وحين كان الأجانب، مثلي، يستفسرون عن الإطار القانوني لهذه العملية، كانت مشاعر السعوديين الذين تحدثت إليهم تشير إلى «قلب جميع هؤلاء المفسدين رأسا على عقب، وخضهم حتى تتساقط الأموال من جيوبهم، ولا تتوقفوا عن ذلك حتى تنفد جميع الأموال!».

ولكن خمنوا ماذا؟ إن حملة مكافحة الفساد هذه ليست سوى ثاني أكثر المبادرات غير الاعتيادية والمهمة التي شنها الأمير محمد بن سلمان. فقد كانت المبادرة الأولى ترمي إلى إعادة الإسلام السعودي إلى أصوله الأكثر انفتاحا واعتدالا – والذي تم تحريفه في عام 1979. وهذا هو ما وصفه الأمير محمد بن سلمان في المؤتمر العالمي «مبادرة مستقبل الاستثمار» والذي عقد أخيرا هنا في الرياض على أنه «إسلام معتدل ومتوازن، ينفتح بدوره على العالم والديانات الأخرى وجميع التقاليد والشعوب».

أعرف ذلك العام جيدا. فقد بدأت مسيرتي بالعمل كمراسل في الشرق الأوسط في مدينة بيروت عام 1979، وكانت معظم المنطقة التي غطيتها منذ ذلك الوقت تشكلت على يد الأحداث الكبرى الثلاثة التي وقعت في ذلك العام: استيلاء المتطرفين السعوديين ذوي الأفكار المتزمتة على المسجد الحرام في مكة المكرمة – الذين اتهموا العائلة الحاكمة في السعودية بأنها فاسدة، وأنهم كفرة منصاعون للقيم الغربية، والثورة الإسلامية الإيرانية، وأخيرا الغزو السوفييتي لأفغانستان.

وأصابت هذه الأحداث الثلاثة جميعا العائلة الحاكمة في السعودية بالقلق الشديد في ذلك الحين، ودفعتها إلى غض النظر عن مجموعة من رجال الدين المتطرفين الذين دفعوا لفرض إسلام متزمت على المجتمع السعودي، ومن خلال شن منافسة عالمية ضد آيات الله الإيرانيين الذين يمكن لهم أن يصدروا المزيد من الأصولية الإسلامية. ولم يساعد قيام الولايات المتحدة بمحاولة استغلال هذا الاتجاه من خلال استخدام مصطلح المقاتلين الإسلاميين ضد روسيا في أفغانستان. وباختصار، أدت إلى تطرف الإسلام عالميا وساعدت في وقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

إن محمد بن سلمان في مهمة لإعادة الإسلام السعودي إلى الاعتدال، إذ إنه لم يكتف بكبح تجاوزات سلطة الشرطة الدينية السعودية «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» فحسب – التي كانت تبث الرعب في النفوس سابقا – وعرفت بتمكنها وقدرتها على توبيخ النساء، بل إنه سمح للنساء بالقيادة. وعلى النقيض من أي زعيم سعودي سبقه، فإن الأمير محمد واجه المتشددين أيديولوجيا. إذ أخبرتني امرأة سعودية تبلغ من العمر 28 عاما تلقت تعليمها في الولايات المتحدة بأن محمد بن سلمان «يستخدم لغة مختلفة، حيث إنه يقول: سوف ندمر التطرف. ولا يستخدم عبارات لطيفة. ويبعث هذا الأمر الطمأنينة في صدري بأن التغيير حقيقي».

إن هذا حقا لصحيح، إذ طلب مني محمد بن سلمان قائلا: لا نقول إننا نعمل على «إعادة تفسير» الإسلام، بل نحن نعمل على «إعادة» الإسلام لأصوله، وإن سنة النبي (صلى الله عليه وسلم) هي أهم أدواتنا، فضلا عن (الحياة اليومية) في السعودية قبل عام 1979». وذكر الأمير بن سلمان أنه في زمن النبي محمد كان الرجال والنساء يتواجدون سويا، وكان هناك احترام للمسيحيين واليهود في الجزيرة العربية. كما أوضح قائلا «لقد كان قاضي التجارة في سوق المدينة المنورة امرأة!».

وبعد ذلك، أخرج أحد وزرائه هاتفه النقال، وأطلعني على صور ومشاهد فيديو للسعودية في الخمسينات الميلادية من موقع يوتيوب – فيها صور لنساء أجنبيات بلباسهن المعتاد ويرتدين الفساتين الضافية ويمشين مع الرجال في الأماكن العامة، فضلا عن الحفلات الغنائية ودور السينما. كانت مكانا تقليديا ومعتدلا، لم يمنع فيه الترفيه، غير أن هذا تغير بعد عام 1979.

وإذا ما تمكنت السعودية من معالجة فيروس التطرف الإسلامي الذي يعادي تعدد الآراء ويكن الكره للنساء – والذي تفشى بعد عام 1979– فإنها ستتمكن من نشر الاعتدال في جميع أنحاء العالم الإسلامي، ومن المؤكد أن ذلك سيكون موضع ترحيب في السعودية التي يشكل الشباب فيها تحت سن 30 عاما ما نسبته 65% من السكان.

وبدوره، قال لي مصرفي سعودي في منتصف العمر «احتجز جيلي رهينة لعام 1979. إلا أنني أعلم الآن أن أطفالي لن يكونوا رهائن». في حين أضافت رائدة أعمال اجتماعية سعودية تبلغ من العمر 28 عاما، قائلة «قبل عشرة سنوات، عندما نتحدث عن الموسيقي في الرياض، فإن ذلك يعني شراء الأقراص المضغوطة (سي دي) – أما الآن فذلك يعني الحفلة الموسيقية التي ستقام الشهر المقبل، ونوع التذكرة التي ستشتريها، ومن من صديقاتك سترافقك لـ(الحفل)».

السعودية لن تكون لها معايير تشبه المعايير الغربية لحرية التعبير وحقوق المرأة. ولكن بصفتي رجلا يزور السعودية بشكل متكرر لأكثر من 30 عاما، فإنني دهشت عندما سمعت بأنه يمكن للمرء الآن حضور حفلات موسيقية غربية كلاسيكية هنا في الرياض، وأن المغني الشعبي توبي كيث أحيا حفلا هنا للرجال فقط، حيث شهد هذا الحفل تعاونه مع فنان سعودي. وقد دهشت أيضا عندما سمعت بأن مغنية السوبرانو، اللبنانية هبة طوجي، ستكون من بين أولى المغنيات لإحياء حفل هنا للنساء فقط في السادس من ديسمبر المقبل. كما أخبرني محمد بن سلمان أنه تقرر أخيرا السماح للنساء بدخول الملاعب الرياضية وحضور مباريات كرة القدم. واستسلم المتطرفون السعوديون تماما لذلك.

ومن جانبه، أوضح وزير التعليم السعودي أنه يعمل على مجموعة واسعة من الإصلاحات التعليمية، والتي تشمل تغيير وتحويل جميع الكتب المدرسية إلى كتب رقمية، وإرسال 1700 معلم سعودي سنويا إلى المدارس العالمية في أماكن مثل فنلندا بغية تطوير مهاراتهم، والإعلان عن أن الفتيات السعوديات سوف يحظين بحصص التربية البدنية للمرة الأولى في المدارس الحكومية، وإدخال ساعة إضافية في اليوم الدراسي في المدارس السعودية للأطفال بغية تمكينهم من اكتشاف شغفهم في العلوم والقضايا الاجتماعية من خلال عملهم على مشاريعهم الخاصة، والتي ستكون تحت إشراف المعلمين.

جاءت كثير من هذه الإصلاحات متأخرة جدا لدرجة مثيرة للسخرية. ومع ذلك، أن تأتي متأخرة خير من ألا تأتي أبدا.

أما ما يخص جانب السياسة الخارجية، ففضل محمد بن سلمان عدم مناقشة الغرائب الحاصلة مع رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري؛ بمجيئه إلى السعودية وإعلانه عن استقالته – على ما يبدو أنها جاءت بسبب ضغوط سعودية – وعودته الآن إلى بيروت وتراجعه عن استقالته. إذ أصر ببساطة على أن خلاصة القضية تتمحور حول أن الحريري، وهو مسلم سني، لن يستمر في توفير غطاء سياسي للحكومة اللبنانية التي تخضع بشكل رئيس لسيطرة ميليشيات حزب الله الشيعية اللبنانية، والتي بدورها تخضع بشكل رئيس لسيطرة طهران.

كما شدد على أن الحرب المدعومة سعوديا في اليمن، والتي تعد كابوسا إنسانيا، تميل كفتها لصالح الحكومة الشرعية الموالية للسعودية هناك، والتي قال إنها تسيطر الآن على 85% من البلاد، إلا أن قيام المتمردين الحوثيين الموالين لإيران – الذين يسيطرون على بقية أراضي البلاد– بإطلاق صاروخ على مطار الرياض يعني أنه إذا لم تتم السيطرة على كامل البلاد،فإن ذلك سيمثل مشكلة.

بدا لي أن وجهة نظره العامة تنص على أنه بدعم من إدارة ترمب – لقد أشاد بالرئيس ترمب، إذ وصفه بـ»الرجل المناسب في الوقت المناسب» – فإن السعوديين وحلفائهم العرب يعملون ببطء على بناء تحالف للتصدي لإيران. إلا أنني لدي شكوكي، إذ إن حالتي الاضطراب والتنافس الواقعتين في العالم العربي السني حالتا دون تشكيل جبهة موحدة حتى الآن، ولهذا السبب تسيطر إيران اليوم بشكل غير مباشر على أربع عواصم عربية – وهي دمشق وصنعاء وبغداد وبيروت. وهناك من يرى أن محمد بن سلمان يبالغ في معاداته وانتقاداته اللاذعة للمرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي.

قال لي محمد بن سلمان «إن المرشد الأعلى (الإيراني) هو هتلر جديد في منطقة الشرق الأوسط». وأضاف قائلا «غير أننا تعلمنا من أوروبا أن الاسترضاء في مثل هذه الحالة لن ينجح. ولا نريد أن يكرر هتلر الجديد في إيران ما حدث في أوروبا (هنا) في الشرق الأوسط». وشدد على أن كل شيء تفعله السعودية محليا يهدف لبناء قوتها واقتصادها.

ولكن هل يتمكن محمد بن سلمان وفريقه من استكمال ذلك؟ أكرر مرة أخرى، أنا لا أقوم بأي تنبؤات، إذ أخبرتني المصادر المطلعة أن الأمير لديه عيوبه، والتي يجب عليه أن يضبطها. ومن ذلك ما يقال إن مستشاريه لا يتحدونه دائما بما فيه الكفاية، فضلا عن سيره في أمور كثيرة لم يتم إنهاؤها، وهناك قائمة من عيوب الأمير المتداولة، ولكن أتعلمون؟ الكمال ليس خيارا مطروحا هنا، فالأمر يحتم أن يقوم شخص ما بتنفيذ هذه المهمة – وهي نقل السعودية إلى القرن الحادي والعشرين – فتقدم الأمير محمد وأخذ على عاتقه هذه المهمة. وعن نفسي، فإنني أشجعه بقوة لكي ينجح في جهوده الإصلاحية.

كما يشجعه أيضا الكثير من الشباب السعودي. لقد علق في ذهني ما قالته رائدة الأعمال الاجتماعية السعودية البالغة من العمر 30 عاما «إننا محظوظون بأن نكون الجيل الذي شهد (المرحلة) السابقة والقادمة». إذ أوضحت أن الجيل السابق من النساء لم يكن ليتخيلن أبدا أن النساء سيتمكنّ يوما من القيادة، بينما لن يكون الجيل القادم قادرا على أن يتخيل يوما لا يمكن فيه للنساء القيادة.

كما أخبرتني قائلة «إلا أنني سوف أتذكر دوما عدم استطاعتي القيادة». وإن حقيقة انتهاء ذلك للأبد في يونيو «يمنحني الكثير من الأمل، إذ إنه يثبت لي أن كل شيء ممكن – وأن هذا عصر الفرص. شاهدنا الأحوال تتغير ونحن شباب بما فيه الكفاية لإنجاح هذا التحول».

ومنح هذا الجهد الإصلاحي للشباب هنا مصدر فخر جديد ببلادهم، إذ إنه منحهم هوية جديدة، وهو ما يستمتع به الكثير منهم بوضوح تام. واعترف الشباب السعوديون بأنهم كانوا يشعرون دوما بنظرة الناس لهم كإرهابيين محتملين أو أشخاص قادمين من دولة عالقة في العصر الحجري عندما كانوا طلابا في فترة ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

أما الآن فلديهم قائد شاب يقود إصلاحات دينية واقتصادية، ويتحدث لغة التكنولوجيا المتقدمة جدا، وقائد لا ذنب له إلا رغبته بالانطلاق بسرعة فائقة للمستقبل.

يذكر أن معظم الوزراء الآن في الأربعينيات – وليسوا في الستينيات من عمرهم. وفي ظل رفع اليد الخانقة للتطرف، فإن ذلك يمنحهم فرصة للتفكير بطريقة جديدة عن بلدهم وهويتهم باعتبارهم سعوديين.

أخبرتني صديقتي السعودية التي تعمل لدى منظمة غير حكومية قائلة «يجب علينا أن نعيد ثقافتنا لما كانت عليه قبل تولي الثقافة المتطرفة لدينا 13 منطقة في هذه البلاد. هل تعلم أن كل منطقة في السعودية تمتلك مطبخا خاصا بها. ولكن لا أحد في العالم يعرف أكلاتنا الشعبية. هل كنت تعرف ذلك؟ لم أشاهد قط طبق طعام سعوديا يشتهر عالميا. آن الأون لأن نتقبل هويتنا الآن وما كنا عليه».

وللأسف، تضم هوية السعودية أيضا مجموعة كبيرة من السعوديين الأكبر سنا يغلب عليهم الطابع القروي والتقليدي، مما يعني أن نقل السعودية للقرن الحادي والعشرين يشكل تحديا. وهذا الأمر يعد سببا جزئيا وراء عمل كل بيروقراطي رفيع لساعات طويلة جدا. إذ إنهم يدركون أن محمد بن سلمان قد يتصل بهم في أي وقت من تلك الساعات لمعرفة ما إذا كان طلبه يتم العمل على إنجازه. وقد أخبرته بأن عادات العمل الخاصة به تذكرني بنص ورد في مسرحية «هاملتون»، عندما تتساءل الجوقة قائلة: لماذا يعمل دوما كأن «الوقت يداهمه».

فأوضح محمد بن سلمان قائلا «لأنني أخشى أنه في يوم وفاتي، سأموت دون أن أحقق ما يدور في ذهني. إن الحياة قصيرة جدا، وقد تحدث الكثير من الأمور، كما أنني حريص جدا على مشاهدته بأم عيني – ولهذا السبب أنا في عجلة من أمري».

23 نوفمبر 2017

https:/‏‏/‏‏goo.gl/‏‏J2hsnu



على خلاف أي ربيع عربي.. يقود الأمير محمد بن سلمان حركة الربيع العربي هذه بدءا بعلية القوم ونزولا إلى من دونهم، وفي حال آتت ثمارها، فإنها لن تقلب موازين السعودية فحسب، بل ستغير معنى ومفهوم الإسلام في جميع أرجاء العالم – والأحمق فقط هو من لا يقف في صف هذه الحركة.

المخاطر التي تواجه الأمير في حملة مكافحة الفساد هذه عالية جدا. فإذا ما أحس الشعب أنه بالفعل يقوم بمكافحة الفساد الذي لطالما عطل النظام وأنه بفعل ذلك وفقا لطريقة تتسم بالشفافية من شأنها أن توضح للمستثمرين السعوديين والأجانب في المستقبل أن النظام سيسود على الكل، فإن الشعب سيضع الكثير من الثقة الجديدة في الحكومة.

الشيء الوحيد الذي أنا متيقن منه هو: كل من تحدثت إليه من السعوديين هنا أعرب عن دعمه المطلق لحملة مكافحة الفساد هذه. ومن الواضح أن الغالبية السعودية الصامتة سئمت من جور العديد من الأمراء وأصحاب المليارات الذين سرقوا أموال دولتهم.

الأمر يحتم أن يقوم شخص ما بتنفيذ هذه المهمة –وهي نقل السعودية إلى القرن الحادي والعشرين– فتقدم الأمير محمد وأخذ على عاتقه هذه المهمة. وعن نفسي، فإنني أشجعه بقوة لكي ينجح في جهوده الإصلاحية.

توماس فريدمان

لطالما عانت دولتنا من الفساد منذ الثمانينات حتى يومنا هذا. وتقول تقديرات خبرائنا إن نحو 10% من الإنفاق الحكومي تعرض للاختلاس أو الهدر منذ بداية الثمانينات، من قبل كلتا الطبقتين: العليا والكادحة. وعلى مر السنين، شنت الحكومة أكثر من حرب على الفساد ولكنها فشلت جميعا. لماذا؟ لأن جميع الحملات بدأت عند الطبقة الكادحة صعودا إلى الطبقات المرموقة.

لا نقول إننا نعمل على « إعادة تفسير» الإسلام، بل نحن نعمل على « إعادة» الإسلام لأصوله، وإن سنة النبي (صلى الله عليه وسلم) هي أهم أدواتنا، فضلا . عن (الحياة اليومية) في السعودية قبل عام 1979

أريناهم جميع الملفات التي بحوزتنا وبمجرد أن اطلعوا عليها، وافق ما نسبته 95 %منهم على التسويات، واستطاع ما نسبته 1% من المشتبه بهم إثبات براءتهم وتم إسقاط التهم الموجهة لهم في حينها. وقرابة 4% قالوا إنهم لم يشاركوا في أعمال فساد ويطالب محاموهم باللجوء إلى المحكمة.

أخشى أن أموت دون أن أحقق ما يدور في ذهني. إن الحياة قصيرة جدا، وقد تحدث الكثير من الأمور، كما أنني حريص جدا على مشاهدة [التغيير] بأم عيني – ولهذا السبب أنا في عجلة من أمري.

محمد بن سلمان