ربما أصبحت الطريقة التي يعمل بها دماغ الإنسان العصري تحاكي إلى حد ما طريقة عمل الحواسيب والأجهزة الذكية التي يتعامل معها باستمرار. وربما كان لهذا تأثير على خيارات رواد الأعمال في نوعية الأنشطة التجارية التي يقومون بتأسيسها. فهناك إقبال كبير على المشاريع الخدمية وبالأخص تلك التي تعتمد على المنصات الالكترونية أو التطبيقات. هذه المشاريع أستطيع وصفها بالأعمال الخفيفة، أي سهلة الدخول والخروج من الصناعة.

معظم هذه الأعمال تنطلق إلى السوق من مجرد فكرة على الورقة، محاولة خلق طلب جديد لمنتجاتها، من دون تجارب سوقية مسبقة، وفهم لاحتياجات السوق القائمة، أو كفاءات عالية. وقد ينجح البعض منها في مقابلة احتياجات قائمة، ولكن بصفة لا تتعدى أن تكون منصة أو حلقة وصل بين مزودي الخدمات والمنتجات (على الأغلب الأجنبية)، ومستهلكيها، أي لا تقوم بالإنتاج ذاتيا، وقد لا تبذل أي جهد للاتصال بسلاسل قيمة لصناعات مهمة وقائمة تفتح فرص لمبيعات الأعمال (B2B)، ولكن تكتفي بمبيعات الأفراد.

سجلت إحصاءات التعداد الاقتصادي الشامل الأخير وجود أكثر من مليون مشروع سعودي، 83% منها من فئة الصغيرة (أقل من 5 مشتغلين) و14% من فئة المتوسطة (5 إلى 19 مشتغلا)، و3% من فئة الكبيرة (أكثر من 20 مشتغلا). ومع أن نسبة المنشآت الصغيرة والمتوسطة في المجمل 97% من المشاريع السعودية، لم يتجاوز نصيبها من فائض الإيرادات الإجمالي (صافي قيمة المبيعات) 17%، أما الجزء الأكبر (83%) فكان من نصيب الـ3% التي تمثل المشاريع الكبيرة.

هذه الإحصاءات تقدم مقياسا كميا لواقع المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي ربما لا يزال البعض منها غارقا في تكاليف التأسيس، فهذه بالكاد ستعوض نفقاتها الرأسمالية، فضلا عن الانخراط في أنشطة البحث والتطوير للتوسع والنمو، أو الإضافة للناتج القومي والمساهمة في إحداث توازن جديد في ميزان الصادرات والواردات السعودي أو خلق وظائف جديدة، رغم عددها الهائل.

دخول السوق بهذه الطريقة الخفيفة والعشوائية إلى حد كبير سهل ومتيسر لكل أحد، لأسباب تقدم التقنيات، لكن البقاء والتمركز في الصناعة سيكونان نصيب من يستطيع الوصول لمبيعات أكثر استقرارا. هذه المبيعات عادة ما تكون ما بين الأعمال أو الصناعات المؤازرة.

رواد الأعمال بحاجة إلى تكوين فهم للسوق وبناء العلاقات فيما بينهم وجعل ذلك خطوة متناغمة مع جهود تطوير المنتجات. فليس مجديا دخول السوق بمجرد فكرة لمنصة تغرق السوق بمنتجات متشابهة وغير نوعية أو بفكرة مختلفة جذريا وصناعة منعزلة، هدفها الوحيد الوصول للمستهلك الفرد أو النهائي فقط، والذي قد تنتهي علاقته بالشركة بمجرد التجربة الأولى مع المنتج.

المشاريع الصغيرة والمتوسطة بحاجة إلى تعزيز علاقاتها فيما بينها وأيضا فيما بينها وبين المشاريع الكبيرة بتكوين سلاسل قيمة تخلق فرصا لمبيعات أعمال تقوي فرص بقاء صناعاتهم بمؤازرة من المنشآت الناجحة والمستقرة في السلسلة كزبائن مهمين. فالأعمال علاقات أكثر من

أي شيء آخر، أكثر حتى من أن تكون منتجات في بعض الحالات. والتقنيات ليست إلا وسائل تيسر الأعمال وتخفض التكاليف، وهي بحد ذاتها لا تبني معرفة أو ابتكارا أو خبرة ولا كفاءة إدارية وإنتاجية وتسويقية، هذه الموارد الصناعية القيمة والنادرة التي تعد أساسا متينا وراسخا لأي منتج ناجح، لا تتوفر إلا في المشاريع التي قامت طويلا على العقول والكفاءات والمواهب.

@hanan_almarhabi