الرأي
الاثنين 24 صفر 1439 - 13 نوفمبر 2017
لهذا أحببت عمر

منذ أن وعينا هذه الدنيا ونحن نربى على حب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونتقرب لله عز وجل بحبهم، فعرفنا قصصهم، وحفظنا أقوالهم، وتدارسنا صفاتهم إلى أن سكن حبهم سويداء قلوبنا، وأصبحوا الرموز الذين نحاول الاقتداء بهم ما حيينا. رغم حبي لهم جميعا رضوان الله عليهم، وتعظيمي لما قاموا به من خدمة للإسلام ونصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن الفاروق عمر بن الخطاب يظل الأميز بالنسبة لي، وإعجابي به كبير جدا لدرجة أنه أصبح أقرب للأسطورة من كونه رجلا تاريخيا إسلاميا. ولطالما سألت نفسي؛ لماذا عمر؟ وما سره الذي سحرني؟

إني حين أقرأ سيرته وأحلل شخصيته العظيمة، أرى أن المفتاح الثابت لهذه الشخصية وسبب تميزه هو إيمانه القوي، وغيرته الشديدة على الحق، فتراه لا يفتن بهذه الدنيا ولا تغريه عن نصرة الحق الذي يؤمن به. فهذه الشخصية نراها قبل إسلامه، فحربه على الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه كان منبعها إيمانه بمعتقد آبائه وأجداده وغيرته الشديدة لذلك الإيمان القوي، ولهذا السبب حين لاح له الحق المبين، آمن برسالة الإسلام مضحيا بعز القبيلة ومكانته بينهم، فتحولت الدعوة الإسلامية من دعوة سرية إلى جهرية.

ونرى كذلك هذه الشخصية الثابتة في العهد المدني، فحين عزم الرسول صلى الله عليه وسلم الصلاة على زعيم المنافقين عبدالله بن أبي بن سلول، أتاه عمر يرجوه عدم الصلاة عليه. وكان الدافع من هذا الرجاء غيرته على الحق الذي يؤمن به.

واستمرت هذه الميزة القوية في شخصية عمر في عهد خلافته، وهي واضحة في موقفه حين طلب من المسلمين التخفيف من المهور، فاعترضت امرأة من المسلمين وقالت: «يا عمر يعطينا الله وتحرمنا، أليس الله سبحانه وتعالى يقول: .. وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا» فقال عمر: «أصابت امرأة وأخطأ عمر»، وهنا يتضح أن غيرة عمر رضي الله عنه على الحق تجعله يضحي بمكانته وموقعه من أجل هذا الحق ولم تأخذه العزة بالإثم.

وحين نرى مسيرته مع الحياة بشكل عام، نرى أنه بدأ حياته راعيا بسيطا لا يعرفه أحد في مكة، حتى أصبح أميرا للمؤمنين في دولة توسعت فيها الفتوحات، وتحت تصرفه كنوز وثروات وأموال طائلة، فأمسى ليس بينه وبين الله أحد، إلا أن ذلك كله لم يفتنه، وعاش ناصرا للحق غيورا عليه. فشخصية بمثل عمر رضي الله عنه أصبحت تعد من وحي الخيال، فأين منا من غيرته على الحق تثنيه عن مطامعه الشخصية؟ وأين منا من يشارك المسلمين المجاعة فيحرم على نفسه السمن وهو أمير المؤمنين وخزائن الدولة بيده؟ أين منا من يسائل ابنه عن قميص جديد؟ أين منا من ينام تحت شجرة بعيدا عن العباد خاشيا رب العباد؟ أين منا من تقبل عليه الدنيا بكل ما فيها ويتركها زاهدا بها؟ آه ما أصعب تكرار عمر.

قفلة:

وصفت أم أبان بنت عتبة بن ربيعة عمر قائلة: «إنه رجل أذهله أمر آخرته عن أمر دنياه، وكأنه ينظر إلى ربه بعينه».

RMRasheed@


أضف تعليقاً