تفاعل
الاثنين 23 صفر 1439 - 13 نوفمبر 2017
الصورة التلفزيونية Vs الصورة السينمائية

• على قدر «فساحة» الإطار السينمائي مقارنة بنظيره التلفزيوني نجد «شساعة» الشقة بين هيبة الصورة السينمائية والصورة التلفزيونية.

يشبه أحد رواد السينما العالميين عملية ترحيل المحتوى السينمائي من الشاشة العملاقة (السينما) إلى الصندوق العجيب (التلفاز) بعملية ترحيل أسد من الأدغال إلى أقفاص الأسر في حدائق الحيوانات، فيفقد هيبته التي اكتسبها مع «فرتوف» «وفلاهرتي» ويصبح وسيلة للتسلية وأسيرا في قفصه الصغير.

• «أنا عين الكاميرا التي تريكم العالم» مقولة خلدها التاريخ للفنان الروسي الطلائعي «فرتوف».

الطلائعية والنوعية هي سمة الصورة السينمائية التي تتسامى فوق السطحية والكمية، فهي دائما ما تتعمد إلقاء الحجارة في المياه الراكدة والآسنة على حد سواء، بغية تعميق عملية الحفر المعرفي عبر طرح تساؤلات مشروعة تشكلها عناصر القصة من قبيل من، ماذا، أين، متى، لماذا وكيف، في محاولة منها لتشخيص العلاقة بين الشكل والتوقعات. الصورة السينمائية بطبيعتها عابرة للقارات لا تعترف بالحدود ولا تتقيد بالمحيط لأجل ذلك توشحت العالمية كرداء، في المقابل نجد الصورة التلفزيونية ما زالت تحت جلباب المحلية، أسيرة لسطوة الخريطة البرامجية من جهة ولسلطة الجمهور من جهة أخرى، لتبقى بذلك رهينة التعليب وقائمة حسب الطلب.

• يعتقد «هيتشكوك» أنه بدون محو الأمية البصرية من المحتمل أن تضيع عبقرية ومهارة المخرجين العظام في التاريخ، حينما يقع فنه بين أيدي جمهور لا يعرف كيف يقرأ ما بين السطور.

خلال العقد الأخير تركت الصورة التلفزيونية أثرها السلبي على عقلية المشاهد الذي أصبح يجنح نحو تركيز أقل ومعرفة أكثر حول الأحداث ودوافع الشخصيات وخط القصة، والتي أثرت بالمقابل على خياله في الربط والتركيز وقراءة ما بين السطور، متسببة في تغييب ثقافة الخيال الفني وتعزيز الأمية البصرية.

• قضى سيد الإنمي المعاصر «ميازاكي» أكثر من عامين فقط في عملية رسم لوحة القصة (Storyboard) لفيلم (Wind Raises) معارك الصورة التلفزيونية مع الجاذبية في كثير من الأحيان خاسرة، بسبب كثرة الإسهاب الذي وصل لحد الاستسهال ليغلب فيها الحس الإذاعي- بتعبيره اللفظي- على المعادل البصري - بتعبيره السينمائي - لذلك لو رجعنا إلى الفترة الصامتة لوجدنا أن أفضل الأفلام السينمائية هي تلك التي استخدم فيها النص بشكل أقل.

• عند افتتاح عرض الفيلم الشهير (Psycho) للمخرج السينمائي الشهير «هيتشكوك» طلب ألا يسمح لأحد بالدخول إلى السينما بعد بدء الفيلم.

الصورة السينمائية بطبيعتها جاذبة وتتمتع بفرجة ساحرة وفريدة تمنح المشاهد حق الاسترخاء - مسبق الدفع - لتسرح به في بحر الصورة وتغوص به نحو قاع المعنى، بينما تتسم الفرجة التلفزيونية بكثرة عناصر التشتيت المفضية إلى عدم التركيز.

• في فيلم (ferris bueller's day off) واصل الممثل «تشارلي شين» لمدة 48 ساعة دون نوم من أجل الظهور في أحد المشاهد بمظهر المدمن.

إنتاج المعنى في الصورة السينمائي لا يتم عبر الصدفة على الإطلاق، فهو يتعامل بحذر شديد ومدروس مع المعادل البصري على قاعدة الإطار الواحد (frame & frame) .

الصورة السينمائية تشرح المعنى عبر الصورة وتستعيض به عن الحوار، على عكس الصورة التلفزيونية التي تزهد بالصورة وتتكئ على الحوار، وتتعامل مع المعنى على قاعدة المشاهد (Sense & sequences).

• في فيلم (Brave) استغرق تصميم شعر شخصية «مريدا» من قبل مصمم شركة بيكسار ثلاث سنوات.

الصورة السينمائية تعامل باعتبارها لوحة فنية منحوتة بدقة شديدة، سواء من حيث سحر الجمال أو عمق المغزى، وسواء كان عن وعي أو عن حدس، فنجدها تعلي من لحظات الصمت والسواد والتأمل. لقد جاوز الخيال السينمائي فضاء الدراما الحية (inception movie) إلى فضاء الرسوم المتحركة (movie inside out) وحلق بالقصة في سماوات فسيحة ومعان غائرة في العمق مشبعة بالدلالة.

الصورة التلفزيونية – في العموم- تتعامل مع المعنى ببساطة ومباشرة، وفي بعض الأحايين بشيء من السذاجة والصخب و(الموسيقى التصويرية المبالغ فيها، وزوايا التصوير وحركات الكاميرا الزائدة عن الحد)، كما أنها تذوب في شروحات وترابطات هي بالأساس منطقية، لتساهم بذلك في عملية تسطيح وتقزيم المشاهد من حيث لا تشعر، كل ذلك يحدث تحت وطأة عملية الحشو ومنطق التعليب الذي فيه الكثير من الغث والقليل من السمين، لذا نجد أغلب القنوات لها حضور في معركة الوجود كشخوص فضائية، لكنها غائبة تماما عن المعركة الحقيقية، معركة التأثير وصناعة الوعي.

لا نفشي سرا حينما نعترف أن الصورة التلفزيونية تشهد حاليا انحسارا كبيرا في نسب المشاهدة، كما أنها تعيش حالة إنعاش رئوي لا نعلم كم ستستمر؟! لكن من المؤكد - بالنسبة لي على الأقل - أنها تشهد حالة انكماش غير مسبوقة قد تفضي بها مع التطور السريع لوسائل التواصل الاجتماعي والرقمي وضغط الحرق المالي- الذي يذهب دون أن يعود- لتبقى جثة هامدة بلا روح، تماما كما هو حال رفيق الأمس - الصحف الورقية - التي تعيش حاليا حالة شرفية من الموت السريري.

(نرفع رؤوسنا حينما نقصد السينما فيما نخفضها حينما نشاهد التلفزيون).. «جون غودار».


أضف تعليقاً