كل شيء يبدأ بفكرة حتى الموت، هكذا همست لنفسي وأنا أسترجع كل ما أحطت به في هذا الكون من وقائع وأحداث ومعارف على شكل شريط متلاحق. ووقفت في نهاية الأمر على أن الرواية هي الفكرة الجهنمية التي استجلبها الإنسان ليؤكد وجوده في هذا الكون ويرفع عقيرته بالنداء: ما زلت قادرا على الصمود.

يصرخ في وجه الموت، ويغوص في أعماق الحياة، يعصف بالثوابت ويتربع فوق النجوم. ليؤجج الصراع مع الذات والحياة، والذي لا تحويه سوى الرواية التي تتيح لخيال الإنسان أن يرتع كيفما شاء ليأتي بالإبداع وبالجديد وبالتغيير.

الرواية أداة لتغيير العالم هكذا يجب أن نتعاطها بعيدا عن العبثية. الرواية تجعلك تمسك بأطراف العالم بكلتا يديك. هذا العمل الإنساني العظيم ساهم بشكل أو بآخر في تغيير المجتمعات التي نمت فيها الرواية بشكل سليم. من ناحية إحياء شخصية القارئ وتشكيل وجدان المجتمع.

ولكن السؤال الذي يحوم في الأفق البعيد: أين الرواية السعودية من كل هذا؟ وللإجابة على هذا السؤال الشائك سأستعرض تاريخ الرواية السعودية والتحولات التاريخية والاجتماعية والسياسية التي مرت فيها وأثرت بها.

بدأت تتشكل هوية الرواية في السعودية بمحاولات خجولة غير مكتملة من الناحية الفنية، كرواية التوأمان لـ «عبدالقدوس الأنصاري» الصادرة في العام 1930، ورواية فكرة لـ «أحمد السباعي» الصادرة عام 1948، وغيرهما من المحاولات التي لم تتجاوز حدود الحجاز.

وفي أواخر الخمسينات من القرن الـ20 ظهرت الرواية السعودية مكتملة من الناحية الفنية كرواية ثمن التضحية لـ «حامد حسين دمنهور» الصادرة عام 1959، وتوالت بعدها الروايات فظهرت رواية ودعت آمالي لـ«سميرة خاشقجي» عام 1961.

والملاحظ على بداية الرواية السعودية حتى إرساء قواعدها أنها تجاوزت الكلاسيكية إلى الرومانسية، مما أفقدها قوة تكمن في قوة المفردة على أقل تقدير، وربما هذه القفزة جاءت بسبب فترة التيه الحضاري التي أعقبها ظهور النفط مباشرة.

وقد شكلت «هند عافر» في تلك الفترة استثنائية وإن كانت على استحياء بإدخالها نمط الأدب البوليسي في العام 1972، ورغم أن الروايات في تلك الفترة كانت مكتملة من الناحية الفنية إلا أنها كانت تعاني من ضعف من ناحية الصياغة والمضمون، وهذا أمر طبيعي في عملية التدرج التي تمر بها الرواية.

إلا أنه وفي منتصف تسعينات القرن الماضي حدث ما أخر اكتمال نضج الرواية السعودية بسبب تدافع الأكاديميين والصحفيين والشعراء والفنانين التشكيليين لساحة الرواية، وكل هؤلاء لا يحفلون بالجوهر ولا يملكون أدوات كتابة الرواية، فجعلوها تتعاطى مباشرة مع الواقع المعاش دون استشراق أو فلسفة أو فكر جديد. فانحصرت حول نقل قضايا المجتمع كما هي: الزواج والحب والطلاق وقضايا المرأة ونقل الواقع بتفاصيل مملة، وقد ساهم الثراء الذي تلى النفط بلا شك في هذه السطحية. وبهذا انغمس كتاب الرواية في واقعية تشبه لحد كبير الواقعية التي ظهرت في أوروبا عقب الثورة الصناعية، فأصبح الروائي السعودي في تلك الفترة كمصور يحمل كاميرا ويلتقط صورا للواقع! دون إضافة أي لمسة إبداعية، وهذا السرد التسجيلي أضر بالرواية السعودية لأنه مفترض على الروائي أن يتجاوز مرحلة الانفعال مع الحدث لمرحلة التأمل ويضيف رؤية فكرية وإبداعية جديدة.

وليست مهمته نقل الواقع بحذافيره أو حتى معالجته! بل مهمته تكمن في تعرية الواقع والمجتمع وإدخال القارئ في حالة من الدهشة تساهم في تشكيلة وعيه. وكذلك على الروائي أن يسمو بالرواية عن حيثيات الحياة اليومية بأن يجعلها تتحرك في المساحة بين العلم واللاهوت، ويبحث عن المعنى مجردا.

وقد دخل إلى عالم الرواية في تلك الفترة الأديب «غازي القصيبي»، ومعظم ما كتبه لا يعدو كونه مسرحيات يستعرض فيها مخزونه الثقافي والمعرفي والفكري الذي ليس عليه خلاف أبدا، وقد سار على نهج «القصيبي» أدباء تلك الفترة كـ«تركي الحمد» و«

عبده خال» وغيرهما.

تقول «رجاء الصانع» في لقاء تلفزيوني عما تسميه رواية: عندما كنت أكتب رواية «بنات الرياض» كان كل ما يشغلني هل ستعجب غازي القصيبي أم لا؟ لأنه هو من يحدد إن كنت كاتبة أم لا!

وبعد ذلك مرت الرواية السعودية بانتكاسة وظهرت السير الذاتية، والرواية المكانية، وكل هذه تأتي دون أن يكون هناك فكرة ملحة، بل الكتابة لأجل الكتابة، فتحشر الشخوص ويؤتى بموضوع مستهلك حتى يخرج لنا عمل يضاف للأعمال الركيكة.

ومن العوامل المهمة التي ساهمت في هذه الإشكالية هو القارئ الموجه غير القادر على تمييز الأدب الجيد من الرديء، فالتكتل الإعلامي لتعزيز مفهوم معين جعل القارئ في إشكالية المعنى السائد.

فالأزمة لدينا تكمن في القارئ كما هي في المبدع، وكل هذه العوامل ساهمت في تأخر نضوج الرواية السعودية حتى العقد الثاني من الألفية الثالثة، لنجدها تدخل في مرحلة ازدهار غير مسبوقة، وباتت السمة الأساسية لها ترقى للجيد في الإنتاج والمضمون، ولكن هذه الطفرة في الرواية تحتاج لاهتمام من قبل المؤسسات باحتواء الإبداع وإقرار جوائز للسرد بكافة أشكاله، وبهذا نستطيع أن نرسي قواعد الرواية السعودية ونجعلها تنافس بقوة.