يعد سلوك اللعب لدى الأطفال من ضرورات النمو وطبيعة مرحلية ثابتة، وشذوذ بعض الأطفال عن الاندماج به أو ممارسته يثير العديد من التساؤلات لدى المحيطين بهم عن الأسباب خلف إحجامهم عن هذا السلوك الفطري، والتي قد تقود المهتمين بشأن الطفل إلى البحث خلف هذا الامتناع غير الطبيعي أو الخاص الذي يؤثر على الطفل.

ما زال كثيرون يعتقدون بأن لعب الأطفال هو نشاط ترويحي، بينما تؤكد النظريات التقليدية والحديثة بأنه وسيلة مهمة للنمو النفسي والعقلي والاجتماعي، فهو تراكم لخبرات أساسية تقود إلى التعلم بالاستطلاع وحل المشكلات والابتكار والتعبير الفني، ويشبع اللعب دون شك أغراض متعددة رغم أنه نشاط تلقائي ليس له سابق تخطيط أو ضبط، ينهمك فيه الطفل كليا، ومن العسير أن ينتزع منه.

استخدم خبير علم النفس التحليلي «إريك أريكسون» تقنيات اللعب في العمل العلاجي على مرضاه، حيث يرى بأن اللعب يقلل من مشاعر القلق لدى الأطفال ويفرغ الطاقة الانفعالية في المواقف المقلقة الناتجة عما يقابله الطفل في حياته، واعتبره نشاطا شفائيا يقوم به الطفل المضطرب وقد وصف اللعب بأنه «معاودة الأطفال لترتيب الأحداث اليومية بشكل يسرهم أو على الأقل لا يضايقهم وبهذا يتخلصون مما يقلقهم».

فيما يصر البعض من المربين سواء كانوا معلمين أو آباء على منع الأطفال من اللعب بحجج عديدة، وأحيانا كأسلوب عقاب دون وعي منهم بأهمية هذا النشاط المزعج - بالنسبة لهم - البالغ النفع على سلوك وعقل ونفسية الطفل في المقابل.

عندما يدخل المعلم إلى حصص الفراغ، ويقرر بأن يبقى الأطفال في «وضع صامت» لقرابة الساعة في أحسن حال، ليقوم هو بإجراء عمل على الكمبيوتر المحمول، أو هاتفه الجوال، فهو يقوم بما يشبه التعذيب لهم وهدر فرص سانحة لزيادة كفاءة عقولهم، وكبت طاقتهم الإبداعية، وقد يتذرع المعلم بالكثير من الأعذار الشرعية، ولن ألقي عليه باللوم كثيرا، فمشروع تلعيب الأطفال، واستثماره كمنهج تربوي ترفيهي إبداعي هو ما أتمنى أن يعمل عليه مطورو المنهج التعليمي ليخلقوا مساحات وأدوات للعب الطلاب أكبر من ملعب الكرة والساحة الخارجية داخل المدارس.

لقد اعتمدت النظريات البنائية التعليمية طريقة التعليم بالتلعيب (‪Gamification‬) بشكل أساسي في طرق تدريسها، ودربت كوادرها التعليمية على طرق تطبيقه بشكل جيد، وهو ما ضاعف النمو الإبداعي والابتكاري لدى طلاب الدول التي اعتمدت تلك الفلسفة في نظامها التعليمي – فنلندا على سبيل المثال - وهذه التقنية السحرية الرباعية الأبعاد تعمل بنجاح على الجانب التربوي والنفسي والاجتماعي والصحي بطريقة فعالة جدا.

إنه لمشروع رابح أن نعمل على تفعيل هذه الخاصية الفطرية بشكل منهجي بعد إثبات فوائدها نظريا وتطبيقيا، ومعرفة ما يلحق بالطفل من ضرر نتيجة المنع غير الواعي، فنبدأ في استثمار اللعب كطريقة تعليمية وتربوية بدلا من استمرارية حصره في زاوية ترفيهية فقط.