تفاعل
الخميس 20 صفر 1439 - 09 نوفمبر 2017
فارس الغنامي
الحرب على الفساد

بحزم وعزيمة لا تلين، أصدرت القيادة أمرها ووضعت «السيف» في موضعه، لا كما أراد له البعض أن يكون، لتبرهن للجميع وضوح الرؤية وخلوها من الضبابية والتعتيم، منتهجة بذلك الشفافية لتعزيز الثقة بين الحاكم والمحكوم ومحاربة الفساد بكل صوره، وتطبيق القانون وإنزال العقوبة الصارمة على أي شخص تسول له نفسه التلاعب بمقدرات هذا الشعب وإهدار ثرواته مهما كانت مكانته ومنصبه في الدولة.

‏حقا كانت ليلة الأحد الماضي مكتملة، وواضحة المعالم، كاكتمال بدرها بعد تلك القرارات التي ستكشف بنورها دروب الفساد المظلمة، حيث أمرت القيادة بتكوين لجنة عليا لحصر قضايا الفساد التي طال انتظار البت فيها وإعادة التحقيق في ذات القضايا التي تم تجاوزها من أولئك الذين ساعدهم في ذلك «تقصير البعض ممن عملوا في الأجهزة المعنية وحالوا دون قيامها بمهامها على الوجه الأكمل لكشف هؤلاء؛ ما حال دون اطلاع ولاة الأمر على حقيقة هذه الجرائم والأفعال المشينة»، كما جاء في الأمر الملكي الذي صدر السبت الماضي الموافق للرابع من نوفمبر الجاري.

‏لقد كانت تلك القرارات تاريخية حملت الفرح للملايين من أبناء شعبنا، مثلما حملت في مضامينها شدة الحزم، والحدة في معالجة قضايا الفساد الكبرى والصغرى، لكي تواكب السعودية الجديدة النهضة الاقتصادية المرتقبة والسير بخطى واثقة أمام الجميع في محاربة الفساد ومحاكمة من يسيئون استخدام السلطة، ويتهاونون في أداء الواجب والمهام الوطنية الملقاة على عاتقهم، وقد ظهر ذلك جليا فيما حمله الأمر الملكي من مضامين جديدة للسير في هذا الاتجاه لاقتلاع الفساد من جذوره، وبسط هيبة الدولة وإحكام قبضتها على المال العام وفق رؤى جديدة وجادة وحاسمة بناء على ما تقتضيه المصلحة العامة، حيث حدد للجنة حصر قضايا الفساد مهامها في عدة نقاط مهمة وأعطيت صلاحيات واسعة جعلت الخيارات أكثر ضيقا أمام من يحاولون الإفلات من جرائمهم في ظروف لم تعد ملائمة لهم من أي وقت مضى غير الانصياع لأمر القيادة التي لن تستمع لرجاءاتهم هذه المرة.

‏لم تمض ساعات على الأمر الملكي لمحاصرة الفساد والمفسدين في أزقتهم الضيقة وطرقهم المتسخة التي تزكم الأنوف وتحبس الأنفاس، حتى توالت ردود الفعل الغاضبة وتذكر البعض الملفات التي ذهبت في طي النسيان، وأصبح فتحها اليوم ضرورة ملحة بعد تلك القرارات التي وضعت الملح على الجروح حتى يشفى الاقتصاد ويتعافى وتنهض الأمة وتسير في الطريق الصحيح، وسرعان ما قفزت إلى ذاكرة الكثيرين ذكرى ذلك اليوم الأسود من أيام عام 2009 الذي راح ضحيته مئات الأبرياء في مدينة جدة بسبب فساد مسؤولين أسكنوا أولئك الأبرياء الشهداء مجاري السيول التي لم ترحم صغيرا ولا كبيرا بينهم، حيث نقلت مصادر صحفية أن اللجنة العليا ستكشف حجم المخالفات التي تم رصدها خلال تحقيقات «سيول جدة» والتي طالت عددا من وزراء وأمناء سابقين ورجال أعمال بارزين ورياضيين يقدر عددهم بـ320 متهما، فيما تمت أيضا إحالة مئات الصكوك ذات المساحات الكبيرة في عدد من المناطق في المملكة إلى محاكم الاستئناف والمحكمة العليا، للنظر في نظاميتها وكشف التجاوزات، ‏وبالطبع فإن تشكيل تلك اللجنة يأتي في إطار تكريس دولة القانون وفق المعايير الدولية، ويعد تفعيلا حقيقيا لأنظمة مكافحة الفساد التي تطبقها الحكومة ويصب في ضمان حقوق الدولة وحماية المال العام، وستحافظ هذه القرارات الحازمة على البيئة الاستثمارية بالمملكة وتعزز مستوى الثقة في تطبيق النظام على الجميع.

‏حقا فعلها «سلمان الحزم» مثلما فعلها من قبل في حربه على أعداء الوطن بالخارج، ويفعلها الآن في الحرب على أعداء الوطن من الداخل لضرب أوكار الفساد والمفسدين، فالعين ساهرة على أمن الوطن من كيد الأعداء والمتربصين، والعمل يجري حتى نرى الفاسدين أمام القانون، ليعلم المواطنون أن ثرواتهم في أيد أمينة.


أضف تعليقاً