الرأي
الجمعة 30 محرم 1439 - 20 أكتوبر 2017
الانترنت بات عالما واقعيا

يشهد العالم نموا متسارعا في أعداد مستخدمي الانترنت سنويا، فقد بلغت نسبة المتصلين به اليوم 40% من سكان العالم (1% في عام 1995) وذلك بحسب تقارير Internent Live Stats. والسؤال الذي قد يبدو ساذجا في نظر رواد الانترنت، ماذا يفعل هؤلاء في هذا الفضاء؟ وهل تلاشت الحواجز بين العالمين الافتراضي والحقيقي؟

كلنا مررنا بتجربة الاتصال الأولى بالانترنت، وقد تتذكر تلك اللحظة العظيمة التي اتصلت فيها بالعالم لأول مرة من داخل منزلك، قد يبدو الانترنت بالنسبة للمستخدم الجديد وسيلة للترفيه والبحث والوصول للأخبار، لكن مع تقدم تجارب المستخدم ومرور بالمنصات الاجتماعية وفهمه لما يجري فيها تنتقل إليه العدوى فتنشأ لديه الرغبة ليتحول من متابع للأحداث إلى متفاعل يشارك المجتمع بما لديه ويعلق على ما يقدمه الآخرون أو يقيم الأنشطة والمشاريع الالكترونية.

قد يلجأ البعض إلى التفاعل على المنصات التي توفر خصوصية وحماية أكبر أمام الصدامات أو وصول الغرباء. والبعض الآخر قد يتجه إلى المنصات التي تسمح له بانتشار لا محدود، وهنا ستتفاوت درجات الخصوصية بحسب رؤية هؤلاء. فمنهم من يختار الظهور بطريقة شخصية وعفوية (بالتالي يكون أقل خصوصية)، ومنهم من يتبع نمطا إعلاميا محترفا أو قد يظهر باسم مستعار، أو باسم مشروع أو نشاط خاص، وبذلك يملك تحكما أكبر في الخصوصية، ويحدد النوافذ التي يفضل أن يتعرف عليه الناس منها.

وقد برهنت أحداث كثيرة مؤخرا أن الانترنت لم يعد عالما افتراضيا، فتأثيره بات واقعا نلامسه في حياتنا اليومية، تفاعل المستخدمين فيه يخلف آثارا على حياتهم وعلى مجتمعهم، قد تفوق كثيرا الآثار التي تترتب على التواجد فيه كمتابعين فقط. بالنسبة للآثار الفردية، فقد أتاحت المنصات الاجتماعية الفرصة للتعبير والاتصال. اليوم يستطيع الفرد المشاركة برأيه بدون أي قيود أو تكاليف، ولكن حرية التعبير هذه ليست مطلقة، ومشاركة الرأي تترتب عليها مسؤولية وآثار اجتماعية وأحيانا اقتصادية واقعية. سمعنا بحالات فصل من الوظائف أو إعفاء من المناصب لأشخاص كشفت تغريداتهم أو منشوراتهم القديمة عن ميولات حزبية أو عرضت عبارات لا أخلاقية كالألفاظ المسيئة لمهنهم أو العنصرية.

وأحد الآثار الاجتماعية على حياة الأفراد الذين يتفاعلون على الشبكات هو تكوينهم لصداقات حقيقية وصلت إلى ترتيب لقاءات مباشرة فيما بينهم، وهو أمر متوقع حين يكتشف الأفراد سمات واهتمامات أو تطلعات مشتركة فيما بينهم.

أما عن الآثار المجتمعية، فقد نشأت مجتمعات مصغرة يجمع أفرادها اهتمامات مشتركة وحديثة، هذه المجتمعات قد لا تجد لها انتماء ثقافيا معينا، وقد لا تحمل رسائل محددة تتداولها مع أفرادها سوى أنها التقت على منصة أحد كبار المشاهير وهي تسعى إلى إيجاد تعريف لها يتماشى مع التغيرات السريعة، كمجتمعات الألعاب الالكترونية، أو الجمال والفاشين، أو مناهضي التيارات الفكرية السائدة الذين تتنوع أطروحاتهم، والكثير غيرهم. لهذه المجتمعات آثار فكرية وأحيانا اقتصادية على المجتمع وأفراده، بالأخص الفئات العمرية الشابة، على سبيل المثال، مجتمعات الجمال والفاشين تحفز أفرادها على السلوك الاستهلاكي والإنفاق من خلال تركيز الحديث في مواضيع تخص الجمال لترفع اهتمام الناس في هذا الجانب ثم تتبع ذلك بالترويج للمنتجات والخدمات.

الحرية والتأثير المتوفران بالانترنت يغريان البشرية ويدفعانها للانتقال والعيش في الفضاء الافتراضي، ومن يتخلف عن القافلة حتما سيلحق بها فور توفر الإمكانية.

hanan_almarhabi@


أضف تعليقاً