الرأي
الأربعاء 21 محرم 1439 - 11 أكتوبر 2017
معلم رياض أطفال

لم أخطئ في الكتابة، ولم أنس التاء المربوطة في عنوان مقالي، ولكني أقصد الذكورة في هذه الوظيفة التي هيمنت عليها الإناث حتى وقت كتابة هذه الأسطر، وربما يكون هذا الذي أفكر فيه مجالا ارتاده غيري، أما أنا هنا فلست بصدد سحب الأحقية من دور أبدعت فيه المرأة، ولا بغرض الثورة على عرف سائد تشترك فيه الثقافات، بل أتعمد قياس الفائدة وحسب.

في مجتمعنا استقر رأي المشرعين على أن يسمح للنساء بمزاولة مهنة التعليم للأطفال بجنسيهم «الذكور والإناث» طالما هم في سن لم يبلغوا معه التمييز الكامل، وحجتهم في ذلك قوله تعالى «أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء»، ليستمر التمسك بهذا النهج ربما لمجرد السماح الشرعي بذلك حسب الفهم الذي أظنه كان قائدا رئيسا للاستمرار دون إعادة نظر.

ماذا لو جازف أحد المستثمرين في مشروع تعليمي يقلب فيه العادة ويفتتح روضة للأطفال يعمل بها رجال فقط، يستقبلون الأطفال من الجنسين ويعتنون بتعليمهم وإكسابهم المهارات والسلوكيات اللازمة ويستغلون ما لديهم من عاطفة جياشة لها طبيعة خاصة تجاه الأطفال، مبدعين في إظهار قدرتهم على خوض هذا المجال الذي ربما ملت هي منه حتى أخذها العالم لميادين الرجولة والصعوبة والخشونة بحجة حقوقها والعدل والمساواة؟

فليس من قبيل الانتقام أن يتجه الرجل لتعليم الطفل في هذه المرحلة المبكرة، ولكن سياسة المناورة تنفع في التذكير بأن أداء الأدوار قد يستكين لأحد الطرفين دون الآخر بالممارسة والتدريب، فالباحثون يقرون بأن القدر الذي لدى الرجل من العواطف والمشاعر كبير جدا يسمح له أن يكون أكثر مرونة وليونة في الصبر على الأطفال تعليما وتهذيبا، وربما المرأة بسرعة استجابتها العاطفية حسب المواقف ولو بالقليل مما تمتلكه اشتهرت بذلك شهرة دعاية لا شهرة استحقاق فردي.

إن الدور الذي تقوم به «معلمة الأطفال» في الروضة من الناحية الفنية والمنهجية التربوية قادر أخوها «معلم الأطفال» أن يقوم به، بينما يتمايز الاثنان حسب تأهيلهما وقدراتهما المهنية وجدارتهما الوظيفية.

أما ما تمتلكه الأنثى من طبائع غريزية من كونها أما وحاضنة وراعية منزلية فهو رافد نفسي فقط يزيد من اطمئنان أولياء الأمور على أطفالهم في هذا السن الذي يفارقون فيه أمهاتهم بعد أن لبثوا في البطن تسعة أشهر وفي الرضاع حولين كاملين وفي التدليل والإطعام والرعاية والأحضان عاما آخر أو عامين.

ولعله في التعلم يحتاج الطفل صرامة في القرار من دون هتك لطفولته، وجرأة في الأوامر من دون جرح لبراءته، وصبرا لأخطائه من دون إغفال لقصده وتعمده، وقد تغيب هذه المفاهيم عن بعض «المعلمات» نتيجة طغيان المحبة والعفو والدلال، لينتقل الأمر لمعاناة كبيرة مستقبلا يصطحبها نزر من الأطفال لمراحل متقدمة عند قراءة سيرتهم الطفولية، فقد نعثر على أنثى أخطأت في روضة أطفال.

وجدت في شبه استقصاء عددا من الرجال اشتركوا في حسن تعامل مع طفلة الرابعة وطفل الخامسة وطفل الثالثة من العمر، بل ووجدوا في الوقت الذي يقضونه مع هذه الفئة مناخا رائعا لاختبار حقيقة محبتهم لهذه الصفحات البيضاء من البشر التي تغري الرسامين الأنقياء برسم السلوكيات الناصعة وكتابة الأخلاقيات الفاضلة وغرس القيم النبيلة فيها.

وكلنا يعرف بأن مجتمع «الطفولة» كبير بكل معانيه، وعظيم بمراميه التي يتمنى النجاح فيها كل مشرع أو معلم، وكلنا يشعر بأهمية هذه المرحلة المبكرة في التعليم التي يبنى عليها ما بعدها ضرورة واقتضاء.

وللمرأة «معلمة الأطفال» شمس واضحة في هذا المضمار لكن مجتمعنا حين رغب في الخلط بين كونها معلمة في روضة وبين كونها أما تتعامل مع أبناء أحشائها بعفوية طبيعية هو بيت القصيد.

اعتقادي بأن للرجل حظا وافرا أن يشترك مع «معلمة الأطفال» ويدخل معها في منافسة حقيقية لخوض هذه المهمة إن هو أحسن التدريب والتعليم والتأهيل واستغل الرحمة القهرية التي صبها الله تعالى في قلوب أغلب الذكور تجاه أطفال لم يحملوا بهم كما حملتهم أمهاتهم، ولكنه التقسيم الرباني الذي يوازن بين المربين ويزيد من عاطفة لدى الجنس الخشن لتعتدل كفة التربية ويستفيد هذا الطفل مما أودعه ربه في الجنسين.

ومن الأمور التي تشهد لي بأن ما أقوله قريب من الصواب ما يمر علينا يوميا عبر الإعلام من رجال كثر برعوا مع الأطفال وسحروهم وأضحوا نجوما في عالمهم سواء على مستوى النشيد أو الفن أو الأدب أو الترفيه، رغم أني لا أغفل من يشاركهم من نساء في الجملة، وقد أفصحت بعض دراسات غربية أن شريحة من الرجال أقدر على منح مساحات كبيرة من الحرية للأطفال أكثر من النساء اللاتي يعترضن على الصغائر والكبائر.

ولدى مراقبتي لأطفال جعلتهم عينة بحث لكتابة هذا المقال لاحظت الميل الكبير منهم لأن «يلعبوا ويتحاوروا ويتعلموا» من رجل أكثر من رغبتهم في ذلك من امرأة بوجه شبه عام، وعند ترجمتي للغة الأطفال عرفت بأن السبب يعود لروح التسامح التي يتحلى بها ذكور مجتمعنا تجاه الأطفال وهم يرونهم يبهجون حياتهم المليئة بالعرق والبحث عن الرزق.

وللطفل أن يقف مزهوا في هذا العراك الإيجابي للفوز بقلبه الأبيض، ويستحق أطفالنا أن نتنافس لنقدم لهم الأفضل، فلربما تحقيق عدالة بين الجنسين تكمن في تبادل الأدوار.

albabamohamad@


أضف تعليقاً